جراثيم القوة

بلال داود

[email protected]

يقول الأطباء أن الجراثيم موجودة في ذرات الهواء بشكل عام  ، فإذا ما وجدت البيئة الحاضنة ، وضعفا في جهاز المناعة ، انقضت هذه الجراثيم ، لتمارس حرفتها في غزو الأجسام الضعيفة  ، فتظهر أعراض المرض ، من البسيط الذي لا يحتاج دواءا ، إلى المرض العضال أو القاتل الفتاك .

و لا تختلف جراثيم القوة ، عن شبيهتها العضوية ، في غزو الأنفس إذا ضعف جهاز المناعة ، ووجدت البيئة الحاضنة ، إلا أنها أشد فتكا  وتنكيلا ، فآثارها لا تتوقف عند شخص المريض وحده ، بل تكون وبالا على المحيط الاجتماعي بعمومه ، و إذا كانت الأبحاث العلمية قد اكتشفت أدوية  ومضادات لمعظم  الجراثيم العضوية ، فإن جراثيم القوة أشبه بالورم الخبيث  ، ليس له دواء إلا قليلا ، بشرط اكتشافه مبكرا ، وغالبا ما يكون استئصال الورم جزءا من العلاج.

جراثيم القوة الثلاثة ، السلطان والمال والشهرة العلمية ، تندرج تحتها آلاف الصور المتشابهة ، كتشابه أنواع الزكام والأنفلونزا ، بما فيها انفلونزا الطيور من الدجاج إلى الصقور .

جرثومة السلطة والجبروت والطغيان ، فاقعة اللون معروفة منذ بدء الخليقة ، ولكنها أكثر وضوحا في نمرود سيدنا إبراهيم عليه السلام ،  وفرعون سيدنا موسى عليه السلام ، والبيئة الحاضنة لجرثومة نمرود وفرعون ومن كان على شاكلتهما ، إنما هي قوة وسلطان و استخفاف بعقول رعية من العبيد السذج ، بدون رادع أو وازع أو معارض ، ولما ظهر المعارض الحكيم ، يحمل مشروعا متكاملا أساسه العدل والحرية ، تمت معالجة تلك الجرثومة بالاستئصال التام ، و ما تفتأ البشرية تفرخ النماريد ( إذا صحت صيغة الجمع ) والفراعين ولكن بصورة ممسوخة إلى حد ما ، فنمرود وفرعون كان عندهما بقية من حرية وديموقراطية ، فسمحا لمعارضيهما بالحوار والنقاش والمناظرة ، وقد استشار فرعون وزيره و علماءه من السحرة قبل قبول التحدي ، أما نماريد اليوم وفراعينها ، فقيمة الحرية عندهم دون الصفر المطلق ، إذ ينكرون وجود المعارضين من أساسهم ، أما الديموقراطية عندهم فحدث ولا حرج ، ولو أن أفلاظون عرف بما سيبتكره هؤلاء النماريد والفراعين من أشكال للديموقراطية لمات كمدا قبل أن يفكر بالتنظير لها .

الصورة الجلية لجرثزمة المال  هو قارون ، الذي أعطاه الله من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة ، فقضت عليه جرثومة المال عندما توهم أنه أوتي تلكم الكنوز على علم عنده ،  وبيئة جرثومة المال عند قارون كما في العصر الحالي إنما هي  ثروات ضخمة مقابل فقر وعوز وحاجة وضعف في النفوس تتمنى ما كان لقارون وفصيلته ، وكم فقد الناس من أعزاء على قلوبهم بعد أن فتح الله عليهم من  فضله ، فغيروا طريقة معيشتهم وهم ينظرون إلى الناس ( أصدقاء الأمس) على أنهم كتل من الغباء المتحرك ، ذلك أنهم بقوا على حالهم المستور طول العمر ، في الوقت الذي استخدم فيها (القوارين ) عبقرياتهم في جمع تلك الثروات ..

و إذا كان الوصول إلى السلطة أوالمال ليس أمرا ميسورا ، بل قد يجد من يرومه من دونه خرط القتاد ، فإن العلم ( ويدخل ضمنه كل أنواع المعرفة العلمية والإنسانية والفنية ... ) قد اصبح سهلا ميسورا ، ورأسماله بسيط  متوفر  في الغالب ، مسحة من ذكاء وعقل ، و همة عالية على متابعة الدرس والحفظ ودخول المختبرات والأبحاث والكتب والصحف والندوات والمعارض والمتاحف .....، وأحيانا موهبة فنية كالغناء والتمثيل .

 قد ينتهي الأمر بالمصابين من علماء العلوم العلمية كالطب والفيزياء والكيمياء والفلك  ....، إلى الجنون أو العزلة  ، فتكون المصيبة فردية هينة ، و لكنه غالبا ما يقود ألى اختراع وسائل الفناء والقتل ، تحقيقا للعظمة والشهرة والمال  ،  أما في العلوم الانسانية كالآداب والفنون والقانون والعلوم الدينية ، فالمصيبة ليس لها حدود ، فمن أصيب بهذه الجرثومة ، رأى الناس من حوله أصفارا في العلم والمعرفة ، وبدأ التنظير ، فإذا صادف بيئة حاضنة من الجهل والتخلف ، ادعى فيهم النبوة و قد يخترع مكانا فوق الأنبياء ودون الإله ، وأحيانا يجاوزه فيصدر صكوك الغفران ، ويوزع بطاقات الدخول إلى الجنة والنار  .

البيئة الحاضنة لكل جراثيم القوة ، هي نفس مريضة تظن أن كل عقول البشر اختزلت في عقلها ، و حكمة الإله سكنت في جنبها ، ورعية من العبيد السذج ، يستخف بهم وبعقولهم ، فيهزون رؤوسهم بالموافقة والطاعة .

إذا كان العلاج أشبه بعلاج السرطان ، فالوقاية ودرهمها خير من قنطار علاج ، هي عدل تقوم عليه قوانين المجتمع  ، وصك حرية لكل مولود قبل إصدار شهادة الميلاد .