كيف تورطت المخابرات الأمريكية بمحاولة الانقلاب في تركيا؟

وسّعت دوائر القرار التركية دائرة اتهاماتها لمن تقول إنهم وراء المحاولة الانقلابية الفاشلة لتركز الأنظار هذه المرة على (مركز ستراتفور) الذي تقول إنه "نافذة ضبابية للاستخبارات الأميركية ويد خفية وراء الإنقلابات". 

و تساءل تقرير رسمي تركي عن كيفية تمكن المركز الأميركي من تحديد موقع طائرة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان وبالتالي نشره على الملأ وتحويله إلى هدف في مرمى الانقلابيين.

وقال التقرير الذي نشرته وكالة (الأناضول) الرسمية التركية إن هناك إشارات استفهام كثيرة أثارها مركز الدراسات الاستراتيجية والأمنية الأميركي "ستراتفور ـ Strategic Forecasting" بعد نشره تغريدات متعاقبة، على موقع التواصل الاجتماعي (تويتر)، تحدد فيها موقع طائرة الرئيس التركي في الليلة التي شهدت المحاولة الانقلابية الفاشلة.

وأضاف التقرير أن إشارات الاستفهام هذه تدور حول طبيعة عمل المركز، ومصدر معلوماته، وعلاقاته بالاستخبارات، والجهات التي تقف خلفه.

مخابرات الظل

يذكر أن سترافور هو مركز دراسات استراتيجي وأمني أميركي، ويعدّ إحدى أهمّ المؤسسات الخاصة التي تعنى بقطاع الاستخبارات، يعلن على الملأ طبيعة عمله التجسسي، ويجسّد أحد أبرز وجوه خصخصة القطاعات الأميركية الحكومية.

وتطلق الصحافة الأميركية على المركز اسم "وكالة الاستخبارات المركزية في الظل" أو الوجه المخصخص للسي آي إيه (The Private CIA)، كما أن معظم خبراء مركز ستراتفور ضباط وموظفون سابقون في الاستخبارات الأميركية.

وكان المركز تأسس العام 1996 في ولاية تكساس، حيث غالبية عمله على شبكة الإنترنت، وهو يبعث تقارير دورية مدفوعة لمشتركيه عبر البريد الإلكتروني، ولديه حتى الآن حوالى 292 ألف مشترك بين أفراد ومؤسسات، وتقوم بإرسال نشرات إلكترونية مجانية لحوالى 2.2 مليون قارئ حول العالم. 

والمركز يموّل نفسه من خلال الاشتراكات. وهو يعرّف عن نفسه على موقعه بأنه: "الجهة التي تزوّد مشتركيها بتحليلات جيو سياسية (...) فتمكّنهم من فهم العلاقات الدولية وماذا يجري فيها الآن، ولماذا يحصل ذلك وماذا سيحدث بعدها".

ويتبع المركز مجموعة موظفين يطلق عليهم اسم (المصادر)، وهم يعملون على جمع المعلومات، وعلى تجنيد عملاء آخرين. وهم يتقاضون أجراً مادياً يختلف باختلاف نوع المعلومة التي يحصلون عليها وأهميتها.

3 تغريدات

وإلى ذلك، فإن مركز ستراتفور نشر ثلاث تغريدات، حدد في كل منها موقع طائرة الرئيس التركي إردوغان، كانت بمثابة توجيه للانقلابيين من أجل اغتياله واستهدافه، وفي الوقت نفسه أثارت أسئلة كثيرة عند الرأي العام، حول المركز، وأسباب الضبابية والغموض التي تلفه، في مصدر المعلومات، والتمويل والعلاقات، والأشخاص وماضيهم الاستخباراتي.

وأولى تغريدات المركز حدد خلالها على الفور، موقع طائرة إردوغان فوق بحر مرمرة، أتبعها على الفور بتغريدة ثانية حدد فيها موقع طائرة إردوغان بأنها على مشارف اسطنبول و"احتمال" أنها تتهيَّأ للنزول، أما التغريدة الثالثة فأكد فيها نزول طائرته في مطار أتاتورك، وأرفقها بخريطة تحدد خلالها موقع مطار أتاتورك.

وقالت وكالة (الأناضول) إنه عند سؤال مسؤولي المركز عن سبب نشر هذه التغريدات على موقع التواصل الاجتماعي، في بلد يشهد محاولة انقلابية، وعن الآلية التي استدلوا من خلالها على موقع الطائرة، تهربوا من الإجابة بشكل مباشر على هذه الأسئلة.

خبر كاذب 

وتضيف الوكالة التركية إنه لم يكتفِ مركز "ستراتفور" بنشر التغريدات، بل شارك خبرا كاذبا لقناة "إم إس إن بي سي" الأميركية، ومفاده أن "إردوغان يطلب اللجوء من ألمانيا".

ولم يقتصر الأمر على ذلك، ففي اليوم التالي للمحاولة الانقلابية، نشر مركز "ستراتفور" سيرة ذاتية للرئيس إردوغان، تضمنت معلومات كاذبة، من بينها، أنَّ سبب سجن إردوغان العام 1999، كان على خلفية " تحريضه على العنف، والكراهية الدينية والعرقية".

أما الثانية، فهي "عمل إردوغان طيلة العام 2000 على إضعاف قوة الجيش التركي"، وقدم إيماءات ضمن السيرة الذاتية توحي للقارئ، بأن لإردوغان عداوة شخصية مع الجيش، وهذا الأمر بحد ذاته يسوق لدى القارئ، أسبابا تدفعه لشرعنة المحاولة الانقلابية.

وتشير (الأناضول) إلى أنه بعد ردود أفعال غاضبة من جهات دولية تعبر عن الرأي العام العالمي، حذف المركز الذي يعد أحد محركات الرأي العالمي، نبأ "طلب إردوغان اللجوء من ألمانيا" من تويتر.

ليست المرة الأولى 

وتتابع الوكالة التركية قائلة إن تحويل رؤساء دول إلى هدف، أمر ليس بجديد، أو فضيحة غير مسبوقة بالنسبة لمركز "ستراتفور".

وقالت: تسربت إحدى رسائل البريد الإلكتروني لكبير المحللين الأمنيين في المركز "فريد بورتون" أرسلها لمحلل آخر، ذكر خلالها، قاصدا الرئيس الفنزويلي السابق "هوغو شافيز" "في وقت ما، دبرنا له (هوغو تشافيز) حادث تحطم طائرة".

ومن المعروف أنَّ الأخبار التي يرد مصدرها على الشكل التالي "مصادر استخباراتية موثوقة" في الأخبار التي تبثها مؤسسات إعلامية كقناة "سي إن إن" ووكالات "بلومبريغ" للأنباء، وأسوشيتد برس" و"رويترز" وصحيفة "نيويورك تايمز" يكون مصدرهم حينها بالتأكيد "ستراتفور".

وتقول (الأناضول): أما مدى مصداقية ستراتفور والأهداف التي يتحرّاها في نشر الأخبار، فهذا مدعاة للتفكير مليا وطرح إشارات استفهام حول المؤسسة.

ويكيليكس وستراتفور

وكان موقع ويكيليس نشر العام 2012، المراسلات الداخلية لمركز ستراتفور، وكشفت بذلك آلية العمل الداخلية للمركز. وتقول (الأناضول) إنه على عكس ما يدعيه المركز في أنَّ التحليلات التي يصدرها تعتمد على مصادر معروفة، فلدى المركز بحسب ويكيليكس، جواسيس مجندون في كل مكان في العالم.

وأظهرت ويكيليكس أنَّ ستراتفور تدفع مرتب 6 آلاف دولار شهريا لشخص في الجيش اللبناني، لتقديم معلومات للمحللين المتخصصين بالشرق الأوسط لديها.

ولا يعرف إنَّ كان للمركز موظفون في الدول الأخرى، مثل الذي في الجيش اللبناني.

تكساس

يقع مركز ستراتفورد في أوستن عاصمة ولاية تكساس، وكان تأسس من جانب المحلل السياسي والاستراتيجي الشهير "جورج فريدمان"، ويعرف المركز نفسه بأنه متخصص بالتحليلات الاقتصادية والسياسة الخارجية، والأمن، على الصعيد العالمي، وتشمل تحليلاته قرابة 175 بلدا حول العالم.

واعتماد المركز على تمويل نفسه ببيع تحليلاته للمشتركين، وتلقي المال من قبل ممولين، كفيل بإخراج المركز من تصنيفه كمؤسسة فكرية.

وبعد كشف ويكيليكس لوجود "جواسيس" حول العالم تابعين لـ"ستراتفورد " يكتبون تحليلاتهم بلغة إنكليزية جيدة، باتت تعرف الأخيرة بأنها "ظل للاستخبارات الأميركية".

ولستراتفورد، مشتركون من مؤسسات رسمية وخاصة، حول العالم، فمن مشتركيها في الولايات المتحدة: وزارة الخارجية، والبنتاغون، ورئاسة الاستخبارات ووزارة الأمن الداخلي، ومجموعة لوكهيد مارتن (أكبر شركة للصناعات العسكرية في العالم) ومجموعة "نورثروب غرومان" لصناعة السفن الحربية وحاملات الطائرات، وشركة "ريثيون" المتخصصة في صناعة الأنظمة الدفاعية.

تنحي فريدمان

 يشار إلى أن جورج فريدمان، كان تنحى عن إدارة المركز، العام 2015، ليحل مكانه، ديفيد سيكورا، مؤسس موقع المبيع عبر الهاتف "Digby" حوَّل سيكورا موقع "Digby" إلى موقع كبير في فترة وجيزة، وجيء به لإدارة المركز على الرغم من قلة خبرته في قضايا الاستخبارات وتكنولوجيا الحروب، إلا أنه يعد خبيرا في عالم الرقميات والتجسس الرقمي، ويكون سيكورا على رأس عمله في الساعة 08:00 صباحا، وينتهي في الساعة 06:00 مساء، وهو أب لثلاثة أطفال بنات. ومن المديرين المسؤولين في المركز، جون ساثير عميل الاستخبارات الأميركية لمدة 25 عاما، والمشارك في العديد من العمليات الاستخباراتية حول العالم، أصبح في نوفمبر 2015 مسؤول الاستخبارات في ستراتفور. 

وتولى بريت بويد، منصب نائب مسؤول الاستخبارات في المركز، وهو من قادة القوات الخاصة الأميركية سابقا، وشارك في العمليات العسكرية للجيش الأميركي في العراق. 

أما رئيس التحرير في المركز، ديفيد جودسون، فقد أمضى ثماني سنوات في تركيا، عمل خلالها منسقا عاما في جريدة "ريفيرانس" التابعة لمجموعة دوغان الإعلامية، ثم مديرا للنشر في صحيفة "حرييت ديلي نيوز".

 ومن كبار محللي الشأن الأمني ومكافحة الإرهاب في ستراتفور، "سكوت ستيوارد"، وهو عمل في وزارة الخارجية الأميركية، قرابة 10 سنوات، كعميل خاص، ويعد ستيوارد خبيرا في التنظيمات الإرهابية وطريقة عملها وتكتيكاتها.

وسوم: العدد 680