ماذا يجمع ترامب وبوتين… بولسونارو ومادورو… والبشير وبشار؟
كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» أن وكالة التحقيقات الأمريكية «إف بي آي» قامت في شهر أيار/مايو من عام 2017 بفتح تحقيق في احتمال أن يكون الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد تم اختراقه من قبل روسيا، وكان على التحقيق أن يعرف إن كان ترامب «يعمل لصالح روسيا وضد المصالح الأمريكية» أو أنه «عن غير قصد وقع تحت تأثير موسكو» بطريقة يمكن أن تضع الأمن القومي الأمريكي في خطر.
بغض النظر عن هذا الخبر، أو عن النتائج التي ستترتب على تحقيق روبرت مولر في التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية (والتي يستنتج تقرير في صحيفة «أوبزرفر» البريطانية إن معلوماته قادرة على إسقاط ترامب)، فإننا لا نحتاج أبداً أي تحقيقات لمعرفة العلاقة الوثيقة بين خطّي ترامب وبوتين السياسيين، بغض النظر عن تضارب المصالح الممكن بين البلدين.
لقد عمل ترامب وبوتين حثيثاً على تشجيع التيارات اليمينية المتطرّفة في العالم، وعملا، كل من جهته، على الإجهاز على الاتحاد الأوروبي، كما ساهما في توطيد الأنظمة المستبدة في العالم، وحين يرخي الواحد منهما قبضته يقوم الآخر بالمزاودة عليه، كما حصل بخصوص ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بعد حادثة اغتيال جمال خاشقجي، وبعد سنوات من عمل بوتين على توطيد سلطة رئيس النظام السوري بشار الأسد، قام ترامب، على دفعات، بفتح الطريق للأخير، أولاً بتسليم الجبهة الجنوبية، والآن بإعلان الانسحاب كليّا، وغير ذلك فإن التيارات المتطرفة والعنصرية تجد دعماً من الرئيسين في كل مكان تطلّ برأسها فيه.
غير أن «الغرام» بين رئيسي البلدين العظميين، لا يتعلّق بشخصي ترامب وبوتين، بل يشير في الحقيقة إلى ظاهرة عالميّة تستحق الانتباه والتحليل، وتندرج كمثال عليها شخصيات مثل الرئيس البرازيلي الجديد المنتخب جايير بولسونارو (وهو رئيس يميني متطرّف وشديد العنصريّة أشارت قراراته الأولى إلى رغبة بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وبإنشاء قاعدة عسكرية لأمريكا)، ورئيس فنزويلا الحالي نيكولاس مادورو، وهو يقف على الطرف السياسي المقابل فهو في الطرف «المعادي للإمبريالية»، ويتابع سياسة «اشتراكية» تقليدية وضعت شعبه على حافة المجاعة ودفعت مئات الآلاف منه إلى الهجرة.
كذلك يمكننا إدراج مثال شخصيتين كانتا، إلى فترة قريبة، على طرفي نقيض سياسيّ، الأول هو رئيس النظام السوري بشار الأسد، الذي يتموضع بدوره في محور «معاداة الامبريالية»، كما يزعم قيادة نظام علمانيّ معاد للإسلاميين، والثاني هو الرئيس السوداني عمر حسن البشير، الذي جاءت به حركة إسلاميّة، وهو ما يجعله، بداهة، على تناقض سياسي وأيديولوجي حاد مع نظام الأسد، ولكننا فوجئنا بأنه كان أول رئيس عربيّ يزور الأسد ويفك العزلة الدبلوماسية عنه، وحين فاجأته التظاهرات في بلاده استعار الشعارات التي يطلقها نقيضه الأيديولوجي بشار حول «التآمر الأجنبي»، والواضح أنه راغب في تطبيق قائمة «نجاحات» نظيره السوري في تدمير بلاده وإخضاع شعبه.
تشير هذه الظاهرة الكبرى إلى سباق عظيم في العالم نحو التطرّف باتجاهين متناقضين ظاهريّا ومتفقين باطنيّا، وينعكس هذا التطرّف باستفحال النزعات الدكتاتورية الفردية، واشتداد قبضة الأنظمة المستبدة على شعوبها، وهذا الاستبداد عابر للأيديولوجيات، وهو قابل للتوافق عند الحاجة أو الضرورة.
القاسم المشترك الأعظم في هذا الاتجاه هو استخدام الإسلام والمسلمين كفزّاعة كبرى للحفاظ على الأنظمة، وهذا ما يفسّر، في حالة البشير، سحب الشعارات الإسلامية من التداول ورفع الشعارات «المعادية للإمبريالية» بدلا عنها، كما يفسّر سكوت أغلب الدول الإسلامية على الكوارث التي تحصل للمسلمين في الصين وميانمار، وكذلك عن الميل المتعاظم لتعويم بشار الأسد ونظامه، وعن المركزية التي تتمتع بها إسرائيل في هذه المنظومة العالمية.
وسوم: العدد 807