من معالم التربية الروحية الصحيحة

قد يقرأ المرء عن تربية الروح وتهذيب السلوك من الكتب و لكن حقيقة هذه التربية لا تعدو أن تكون ترفا ثقافيا يحفظ في ذاكرة المرء ولا تعدو فوائده تتجاوز حدود المقروء و لا يكون لذلك الترف أثر على أرض الواقع و تظل تلك الحقائق وتلك الأنوار حبيسة  مسجونة تبحث عن   الذي يحررها  فتشرق أنوارها و يعم نفعها في كيان الإنسان .

و إن حاجتنا لتربية الروح كحاجة جسمنا  الغداء ليقوى على أداء وظائفه الحيوية و المرء يجتهد  لمعرفة حاجات جسمه و الغذاء المتوازن بل يزيد في إلمامه لتحصيل التربية الغذائية الصحية و لكنه لا يعير اهتماما لتحصيل التربية الصحية و الأغذية المتوازنة لتحصيل سلامة الروح  و أن الطريق الوصول إليها ليس صعب المنال كما  يسهل لك معرفة أخصائي و استشاري الأغذية لتحصين جسمك من العلل فطريق تربية الروح  شبيهة بذلك  .

و إن الوصول لتزكية الروح  لابد له من علم و عمل و تدريب و ممارسة و مجاهدة ففي الحديث الشريف "إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب " رواه البخاري  و لا يحصل صلاح القلب إلا بممارسة شمول العبودية التي تشمل مناحي الحياة جميعها في غير تجزئة فإقامة صلاتك بأركانها تصلح  القلب و لزومك القرآن الكريم  يصلح القلب  و حاجة قلبك الأوراد المأثورة تصلح القلب  و مجالستك  ومرافقتك الصالحين تصلح القلب و إن زيارتك  المريض  و سيرك  في الجنائز تصلح القلب و اجتناب المحرمات  تصلح القلب و في الإنفاق   في وجوه الخير صلاح   للقلب  ، و  شكرك النعم  صلاح للقلب  ،  و تفننك في الدعاء صلاح للقلب و تعطير لسانك  بالذكر  طريق لصلاح القلب يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه الإمام أحمد " لو لا تمرغ قلوبكم وتزيدكم في الحديث لسمعتم ما أسمع" ويقول: "لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتقسوا قلوبكم فإن القلب القاسي بعيد من الله  رواه مالك

لاحظ أيها الحبيب  أن قساوة القلب و جفاء الروح  لها أسبابها   قال تعالى {ولقد أخذ الله ميثاق بني اسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضاً حسناً لأكفرن عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية} [المائدة : 13-14]  

فقد يحرم المؤمن أنوار الروح بنقضه   العهود و مخالفة  المواثيق التي جاء بها الرسل عليهم السلام     قال تعالى : {واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا} [المائدة: 8] و أن طاعة الرسول محمد صلى الله و سلم و نصرته ونصرة دعوته  سبيل موصل لصلاح القلب {إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه...} [الفتح : 8-9] . 

أحببت أن أعطر المقال لرجال أحسنوا تربية أنفسهم فانظر كيف كان نتاج تربيتهم   فيما رواه [الحاكم] عن [زيد بن ثابت] –رضي الله عنه – قال : "بعثني رسول الله –صلى الله عليه وسلم - يوم أُحُد لطلب [سعد بن الربيع] –رضي الله عنه وأرضاه - في القتلى ، وقال لي : إن رأيته فأقرِئْه مني السلام.

وقل له : يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: أخبرني كيف تجده ؟ قال زيد : فجعلت أبحث عنه في القتلى ، فأصابته وهو في آخر رمق ، به  سبعون ضربة ؛ ما بين طعنة رمح ، وضربة سيف ، ورمية سهم ، فقلت له: يا سعد إن رسول الله يقرئك السلام ، ويقول : أخبرني كيف تجده ؟ قال : وعلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم - السلام وعليك السلام ، قل له : إني – والله - لأجد رائحة الجنة - ليس هذا موضع الشاهد ، ولكن اسمع ماذا قال ؟ - وقل لقومي الأنصار لا عذر لكم عند الله أن يُخلص إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم - وفيكم عين تطرف ثم فاضت روحه -رحمه الله ". في مثل هذا تظهر نوعية التربية و مثانتها و كيف يعلمنا هذا الصحابي  دروس الثبات بتلك الوصية الخالدة  فرَضِيَ الله عنه وأرضاه ، وجعل الجنة مأوانا ومأواك .

في آخر المقال يجب أن نؤكد أن الأمة  بحاجة إلى غرس مثل هذه التربية في أبناء الأمة أفرادا و جماعات  ، كي  نواجه به هذه الحالة المادية الموحشة ، فكم نحن بحاجة  إلى بناء  معالم النفوس و توثيق  الأخلاق في  حياتنا ، فاصنع    الرجولة الصحيحة  أساسه الخلق المتين  ، الذي به نواجه التحديات و نحمد به  عند الأعاصير ،  فإذا فاتنا  العدو بالقوة المادية  ، علينا أن نتميز عليه بعلو تربيتنا  الروحية ، و هي الأساس الصحيح للتميز. 

وسوم: العدد 1090