واعبد ربك حتى يأتيك اليقين
{واعبد ربك حتى يأتيك اليقين}..
رضوان سلمان حمدان
إن زيارة الأماكن المقدسة وأداء فريضة الحج أمنية كل مسلم في هذه الأمة، تلك البقاع الطاهرة التي شهدت بدء تشكيل ونواة تكوين أمة عظيمة.
تلك الأمة التي ظلت تكافح ولا تزال تجاهد دفاعًا عن مبادئها السامية، وعن قيمها النبيلة.
تلك الأمة التي لم تتعرض مثلها أمة من الأمم لهجمات وحروب تترية وصليبية، ولكنها لا تزال بقيمها ومبادئها قويةً عزيزةً أبيةً على الضيم قوية على الانهزام.
إلا أن المسلم الذي قدم لأداء فريضة الحج إنما رغب في تكفير ذنوبه وبدء صفحة جديدة مع الله خاصة، أولئك الذين اقترفوا من الذنوب صغيرةً كانت أو كبيرةً فهُرِعوا لتلبية نداء الرحمن لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، طامعين في مغفرة الله راجين عفوه، طامحين طامعين في مغفرته كما وعد بذلك النبي- صلى الله عليه وسلم- بقوله:
"مَن حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" [رواه البخاري ومسلم]
وليبدأ بذلك صفحةً جديدةً في حياته. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "سمعت النبي- صلى الله عليه وسلم- يقول:
"مَن حجَّ لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه "[رواه البخاري ومسلم].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
"العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" [رواه البخاري ومسلم].
ولا يظننّ البعض أن أداء فريضة الحج أو صيام رمضان أو غيرها من المناسبات والمواسم إنما هو آخر المطاف، بل يبدأ صفحةً جديدةً طريقها طاعة الله والبعد عن معصيته، ويداوم على فعل الصالحات واجتناب الطالحات لتستقيم له الحياة ويجني رضا الله في دنياه وآخرته، فذلك هو الفوز العظيم الذي يسعى إليه كل عبد منقاد لمنهج الله، طائعًا راضيًا بهذا المنهج.
فلنعلم جيدًا أن غرض الخلق هو عبادة الله وحده لا شريك له:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ [56 الذاريات]
هذه هي غاية الخلق وهذه هي وظيفة الإنسان في هذه الدنيا إنها حقيقة يجب أن يضعها المسلم نصب عينيه في كل سكناته وحركاته:
﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [162الأنعام]
تلك هي مهمة المسلم المكلف بها في دنياه للوصول إلى آخرته بأمان.
إن الإنسان فإما أن يطيع الله تبارك وتعالى، وإما أن يطيع الشيطان، فطاعته للشيطان معصية لله وطاعته لله معصية للشيطان:
﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [22إبراهيم[.
* الحذر من الموت من حتميات وضروريات حياة المسلم الطامع في مغفرة الله الراجي رحمته ورضوانه، وأبواب التوبة وإن كانت مفتوحةً ومتاحةً في زمن، إلا أن اقتراب الأجل وفجأة الموت قد لا تتيح للإنسان تحقيق التوبة والمغفرة إذا ما انقاد وانغمس في كهوف الغفلة فاستشرفته الدنيا فسار في دروبها لا يلوى على شيء سوى جمع المال أو التمتع بالشهوات ناسيًا متغافلاً حقيقة الموت التي تنهى حياته فجأة.
﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (17) وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [18النساء]
.. "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر".
*كل مسلم مطالب باتباع أمر الله وإلا:
﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: من الآية 63].
واقتناص الفرص واستغلالها للوصول إلى بر الأمان بعد أن كثرت الفتن وعم الفاسد كل الأماكن والأرجاء وتبدلت القيم وانتشر التغريب في أوساط الأمة شبابها وشيوخها؟ وصدق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذ يقول:
"بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء".
*فلنعلم وليعلم كل حاج وكل من صام وتعبد في شهر ذي الحجة راغبًا راجيًا في عفو ربه؛ أن أفضل سبيل هو المداومة على الطاعة، فلذلك فضائل كثيرة منها:
- حُسن الخاتمة وهي من أهم فضائل المداومة على الطاعة، وهي ما يصبو إليه كل عابد لله، فهو الفوز المبين بل الفوز العظيم أن يتحقق للإنسان حسن الخاتمة "إنما الأعمال بالخواتيم".
قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [185 آل عمران].
- سبب للنجاة من الشدائد: قال صلى الله عليه وسلم:
"احفظ الله يحفظك" [الترمذي]
وحفظ الله هنا يقتضي المداومة على طاعته بفعل الطاعات واجتناب المنهيات، فيحفظك الله في دنياك وآخرتك.
- جريان أجر العمل الصالح لمن داوم على عمل صالح ثم انقطع عنه بسبب مرض أو عذر شرعي ، أخرج البخاري من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم:
"إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا".
- المداومة على الطاعة أحب الأعمال إلى الله وإن كانت هذه الطاعة قليلة:
"أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل".
- سبب وطريق لنيل محبة الله وتحصيلها، إذ يقول الرسول- صلى الله عليه وسلم- في الحديث القدسي:
"ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه".
- المداومة على الطاعة تدخل العبد في ظل الله تبارك وتعالى يوم لا ظل إلا ظله ففي الحديث: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظله إلا ظله - وذكر منها - وشاب نشأ في عبادة الله".
- والمداومة على الطاعة من صفات المؤمنين ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: من الآية23].
فليس في حياة هذه الأمة ولا في منهجها الذي هو الإسلام مواسم للطاعات ومواسم للمعاصي وإنما هذه المواسم والنسك هي منح ربانية منحها الله لأبناء هذه الأمة للتزود بالطاعات وفرص للعودة إلى الله بالتوبة، فليست الطاعة مرهونة بقدوم أو حلول رمضان، ومنقضية بانقضائه، وليست الطاعة مرهونة بالحج ومنقضية بانتهائه، فإن حياة هذه الأمة أفرادًا وجماعاتٍ هي حياة طاعة لا حياة معصية؛ لأن هذا الدين ما هو إلا منهج حياة وليس مجموعة من المناسك والشعائر يتعبد بها في المساجد، فإذا انتهى المسلم من أدائها انتهت مهمته وإنما أينما سار المسلم أو ارتحل أو حل نام أو استيقظ أكل أو شرب فذلك كله ينبغي أن يكون في إطار ما حدده هذا الدين بقيمه ومبادئه التي تشكل منظومة حياة متكاملة لا تغادر صغيرةً ولا كبيرةً في حياة المسلم إلا وقد وضعت لها الأطر وبينت السبل فالإسلام منهج حياة وسبيل نجاه للفرد والمجتمع.
فمن كان يعبد الحج فإن الحج قد انتهى، أما الله فهو باقٍ غير منتهٍ جل في علاه
﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾