فيلم للمخرجة: شيرين دعيبس

أمريكا

زياد جيوسي

[email protected]

عضو لجنة العلاقات الدولية في
اتحاد كتاب الانترنت العرب

أتاح لي مهرجان القصبة السينمائي مشاهدة العديد من الأفلام التي كنت أرغب في مشاهدتها، ولعل من هذه الأفلام بشكل خاص، فيلم (أمريكا) للمخرجة شيرين دعيبس، والتي حضرت افتتاح المهرجان في مدينة رام الله وكان فيلمها هو فيلم الافتتاح.

الفيلم يقع تحت خانة تصنيفه كفيلم روائي، وبذلك يخرج عن إطار الأفلام الوثائقية التي اعتدناها بشكل واضح في السينما الفلسطينية، فالأفلام الروائية قليلة ومحدودة، وربما أن الوقت الذي تحتاجه مع ارتفاع التكلفة وضعف الإمكانات تلعب دورها في ذلك.

قصة فيلم "أمريكا" بسيطة تتلخص بالحديث عن امرأة (نسرين فاعور) تسكن رام الله وتعمل في مؤسسة مصرفية، تعاني مشكلات أسرية بسبب طلاقها وزواج طليقها من امرأة أخرى، لديها شاب في سن المراهقة (ملكار معلم). ترى زوجة طليقها في محل لبيع الخضار فتصاب بتوتر شديد وتغادر المحل فوراً. تتلقى الموافقة على البطاقة الخضراء من أمريكا عشية حرب الخليج سنة 2003، فتناقش ولدها الذي يشجعها على السفر ويرى في الهجرة مفتاح الفرج والفرح والمستقبل. تتردد قليلاً، ولكن ولدها يلح عليها ويقول متحدثاً عن والده: لقد أخذ قراره كيف تكون حياته، فلنأخذ نحن قرارانا، فتتخذ القرار وتذهب إلى بيت لحم مع ابنها لزيارة أمها وشقيقها ليكون السفر من هناك. تصل أمريكا ونشاهد سوء التعامل في المطار من رجال الأمن والجمارك. نرى الانبهار بأمريكا. تبحث عن عمل يناسبها فلا تجد إلا العمل في مطعم بخدمة الزبائن والتنظيف. ولدها ينجرف قليلاً إلى حياة الشباب الأمريكي؛ مخدرات وتدخين، ويواجه مشاكل عنصرية كما تواجهها أمه وأسرة شقيقتها المقيمة هناك.

هذه هي قصة الفيلم الذي رأيته، وحقيقة وجدت أن هناك الكثير من القضايا بحاجة إلى نقاش؛ فالسيدة لا تعاني من مشاكل مالية صعبة، فهي موظفة مصرف تكفل لها وظيفتها حياة معقولة، بينما يظهر الفيلم منذ البداية مشكلتها الاجتماعية، وبالتالي فإن الهجرة لأسباب مالية غير وارد، ورغم مشاهد الاحتلال على الحواجز واضطهاده للمواطنين، فهذا ليس بالسبب الكافي للتفكير بالهجرة، فالاحتلال يسعى جاهداً لتنغيص حياة المواطنين لدفعهم لمغادرة الوطن، ومع هذا نجد الشعب يتمسك بأرضه ووطنه، فلذا لم أجد في الفيلم أن هناك أسباباً مقنعة لهجرة هذه المرأة وولدها، حتى في فكرة تأمين مستقبله الدراسي، فالدراسة متوفرة بالجامعات الفلسطينية بشكل كبير، ولم أجد إلا أسباباً اجتماعية ركزت عليها المخرجة في المشهد الأول من الفيلم.

مسألة أخرى بحثها الفيلم وهي معاناة أسرة شقيقة بطلة الفيلم من خلال إقامتهم في أمريكا، فهم يتعرضون للتمييز العنصري الذي يصل إلى حد التهديد بالقتل على خلفية حرب الخليج والعراق وأسامة بن لادن، وتقول شقيقة البطلة (هيام عباس): هنا لا يميزون بين العرب، فكلنا مستهدفين، وفي الوقت نفسه الذي تمكنت المخرجة بقوة من الإشارة إلى هذه المعاناة، فقد أشارت إلى معاناة المهاجرين من خلال انخراط الشباب بالحياة الأمريكية البعيدة عن تقاليدنا وعاداتنا من خلال ابنة الأخت الشابة، ومن خلال ابن بطلة الفيلم، ومن خلال الطفلة التي لا تتكلم إلا بالانكليزية ولا تتكلم العربية، رغم أن أهلها عرب ويتكلمون العربية، وهم يحنّون إلى الوطن، وظهر ذلك بالعديد من المشاهد الرمزية ولعل أهمها تنشق أخت بطلة الفيلم للزعتر وقولها: ما أجمل رائحة بلادنا، ومتابعة زوجها الطبيب (يوسف أبو وردة) للأخبار العربية، وتحسّره على البلاد وذكرياتها وحلمه بالعودة، في الوقت الذي تكون ردة فعل بطلة الفيلم سلبية تجاه هذا الحنين، فتقول لأختها: لكم خمسة عشرة سنة مهاجرين، ألم تنسوا؟ وتطلب من زوج أختها أن يخفف متابعة الأخبار العربية حتى لا يتعب نفسه.

هناك مسألة أعتقد أن ظهورها الرمزي كان خاطئاً، فقد ظهر الصليب في رقبة أخت بطلة الفيلم، وهذا أظهر وضوح الديانة، بينما المعاناة في الوطن شاملة لكل أبنائه بغض النظر عن ديانتهم، فجميعنا تحت الاحتلال نتعرض للاضطهاد والقتل والأسر، والجميع رافضون للاحتلال بغض النظر عن الديانة، وأرى أن إظهار الصليب قلل من شمولية الحدث على مستوى الشعب الذي يعاني من الاحتلال، ولا ننسى أن بعض الأقلام المأجورة كتبت في الماضي أن المسيحيين أقل ارتباطاً بالوطن، وأنهم هم الذين يهاجرون ويتركونه نهباً للاحتلال، بينما نجد أن الاحتلال الذي يسعى لتدمير الأقصى، هو نفسه من حاصر كنيسة المهد وقصفها بمدافع الدبابات وقتل فيها محاصرين مسيحيين ومسلمين، ولم يوفر كنيسة القيامة بإجراءاته القمعية، وفي الوقت نفسه نجد أن والدة بطلة الفيلم ترفض فكرة الهجرة بالمطلق حين تدعوها ابنتها لذلك، وتتمسك رغم عمرها وشيخوختها بالوطن. لذا فإبراز هوية الدين لم أجدها موفقة في الفيلم.

في خلال أحداث الفيلم نرى لقاء البطلة مع يهودي أمريكي من أصل بولندي، يصبحون أصدقاء ويقف بجانبها مع ابنها في مشكلة تواجهه، وهي إشارة واضحة أننا لا نعاني من مسألة العداء لليهودية كدين، فهي من الأديان السماوية الثلاث، ومشكلتنا مع الصهيونية كفكرة سياسية تتخذ من الدين وسيلة وستاراً، واليهود عاشوا بيننا منذ القدم باحترام.

حين يفكر الابن بضرورة العودة بسبب المشكلات العنصرية التي تعرض لها، وتأكيده في الحوار أنه فلسطيني وليس أمريكياً، نجد البطلة تقول لابنها: يجب أن تصمد فأمريكا ليست لهم وحدهم. وسؤالي: لماذا لم تطرح فكرة الصمود في الوطن بدلاً من فكرة الهجرة والإصرار عليها؟ بحيث أنها استقالت من عملها في وطنها وقطعت جذورها فيه، ورغم أن وضعها في العمل والحياة الاجتماعية بين أهلها وفي وطنها كان أفضل، ففي مشهد تكرر مرتين في الفيلم وأثناء عمل بطلة الفيلم في المصرف الذي تعمل به، نرى مروحة الهواء تجعل الأوراق تطير وتتساقط عن المكتب، كأنها إشارة واضحة إلى فكرة الهجرة وطيران البطلة من وطنها إلى وطن آخر، وبدل وظيفة محترمة إلى وظيفة لا تحتاج مؤهل علمي.

الممثلين أتقنوا أدوارهم بطريقة متميزة، ولا يمكنني إلا أن أشير إلى قدراتهم الإبداعية في التمثيل، والمخرجة بذلت جهوداً كبيرة يشار إليها بإيجابية، هذه الجهود التي استحقت بجدارة الحصول على جوائز دولية، وإن كان لا يعفيها ذلك من إبداء الملاحظات ومناقشة الفيلم، والموسيقى في الفيلم كانت موفقة جداً، خصوصاً في المشهد الأخير الذي جمع الأسرة مع المهاجر اليهودي، دلالة على أن الشعب الفلسطيني لا يميز ضد اليهود كبشر ودين.