المحاضرة1-2

المحاضرة

سمير جمول

[email protected]

1

كان يقف بياقته الأنيقة خلف ( الميكرفون ), منعكسة بعض من انوار الأضواء على رأسه  الذي اخذ الزمن منه القسم الأعلى وترك له الجوانب,والتي كان يخسر عليها أغلى أنواع مصففات الشعر والكريمات الملمعة  وأصبحت حقل تجارب لكافة انواع الأصباغ و بحسب زعمه  كلها طبيعية  - هكذا صرح احدهم نقلا عن مصدر موثوق من المقربين له –

 المحاضر- المرأة نصف المجتمع هذه حقيقة ويجب ان نسلم بها

احد الحاضرين  مقتربا من الرجل الذي يجلس بجانبه يهمس في اذنه متذاكيا ,(لذلك نجد ان  نصف المجتمع فاسد  والنصف الآخر تربايتو)

يمتعض الرجل الآخر  مبتعدا برأسه خشية ان يفقد شيئا من المحاضرة ,يشعر الأول انه قد قطع متابعة جاره ويعود للمتابعة ايضا مداريا ارتباكه,  باعادة ترتيب ياقته  ومعطفه  متصنعا الجدية والانتباه

المحاضر- هل كانت تماضر ( الخنساء ) امرأة سطحية , تافهة تمضي وقتها  في الزيارات والأحاديث النسائية ....لا والف لا  بل كانت ......

احدى النسوة تقول لرفيقتها  ( بدو يانا الأخ  كلياتنا نفقد  اخوتنا واولادنا  حتى نصير بنظرو  بطلات وجادات  وفهمانات ) متابعة تهكمها وهي  تشد  تنورتها على ساقيهاالذين  بان جزء كبير منهما  وقد استرعى ذلك انتباه  احد الشباب  فنسي المحاضرة  ويبدو انه آمن ان يكون المجتمع كله من  النساء وليس نصفه  في هذه اللحظة  ( لو ضلينا بالسوق  مو كان احسن من هالورطة )  تحاول رفيقتها تهدئتها انتظري فليلا ( لقد قال احمد  انه سيأتي )  مبدية قلقها  لتأخره محدقة بنظرة  كلها اضطراب  الى ( الموبايل )  ( حتى تعليم ماعلم- وبدلع مبتذل  -  بكرا بفرجيه  )

احد الحاضرين : يا آنسة  اذاسمحت اخفضي صوتك  دعينا نتابع المحاضرة

تسكت معلقة نظرها بالمحاضر  وقد رسمت على شفتيها  حركة تدل على السخرية  ( اتفضل اتسقف )

المحاضر- وقد قال الرسول الكريم  الجنة تحت اقدام الأمهات

احد الحاضرين :  بتستاهل  يعني بعمرا ماراح تفوت الجنة

المحاضر- المرأة التي تهز السرير بيمينها تهز العالم بيسارها

والله صحيح ياشباب  وقالوا وراء كل فظيع امرأة - صحح له صديقه - وراء كل رجل عظيم امرأة  تابع طيب مثل ماتريد  وراء كل رجل فظيع امرأة

كان في الصف الأول ثلة من المسؤولين متصدرين القاعة بوسامتهم  وعطرهم ووجاهتهم وأحذيتهم اللماعة والتي اعتقد انهم يتعمدون اظهارها  بوضع رجل فوق رجل بشكل استعراضي  متصنع مايدفعني  لزعمي هذا ( وهي دائما من نوع عالى الجودة )

يقف كبيرهم – هكذا يبدو –لأن الصف الأمامي وقف كله ايضا  اعتذر مبتسما بكل تهذيب  لأن موعد الاجتماع الرسمي قد حان ولأن مصلحة الوطن هي الأهم فيجب شد الرحال الى ساحة النضال ( الاجتماعات )  وانطلق فتبعه  كل من اتى معه,  وكل من اتى ليحظى برؤيته , وبعض الذين ارادوا ان يتابعو تدخين السيكارة  التي اطفأوها من نصفها  وخبأوها لتسنح لهم فرصةاكمالها حتى نهايتها فيما بعد.

تابع المحاضر وقد شعر انه خذل  وكان ذلك باديا  من طريقة تناوله  كأس الماء دفعة واحدة  ومسحه لجبهته  بمنديل ورقي  بقي بعض منه ملتصقا عليها  ولم تفلح محاولات  زوجته  في لفت انتباهه الى ذلك

المحاضر- إذا أردنا ان يكون لنا مكان بين الأمم المتحضرة يجب  أن نعترف  بالمرأة  كانسان  له ماللرجل وعليه ما على الرجل  من هنا ...

احد الحاضرين  معلقا  موجها الكلام لصديقه : (...حاج يارجل ) هل يريد ان يقنعنا انه تخطى جميع  مشاكله مع  زوجته  او أخته أو ابنته وحتى مع امه

آخر قد تكون محاضرته كلها من أجل ان تتنازل له اخته عن نصيبها من الميراث

آخر :  أو انه يريد راتب ابنته كاملا

آخر  :  اللعنة انا خارج

 يقف الجميع يخرجون  يبقى ذلك المحاضر وقد ارتسمت  الدهشة والاستغراب على وجهه 

-              لم يحدث هذا  ( ينظر الى زوجته )  هل قلت ماهو خطأ هل  قلت مايتناقض مع المنطق والعقل

الزوجة : لا لم يكن لاهذا ولاذلك   لكنهم لمسوا انك صورة عنهم ( تحمل في الداخل ضدك )

المقولة الأخيرة منقولة من قصيدة للشاعر مظفر النواب

المحاضرة

2

كان يلبس طقما اسودا  نظيفا, وقميصا  ابيضا,  وربطة عنق حمراء مخططة بخطوط رمادية  وسوداء,  وأحيانا( ببيونة) حمراء , وينتعل حذاء بنيا في اغلب الأحيان, أما شعره  فقصير على الجوانب  مسرح بشكل ملفت  يدل على ان صاحبه امضى وقتا ليس بقليل  أمام المرآة.

 بالنتيجة شاب انيق, اما الميزة التي تنال من وسامته كونه مصاب بمرض  يسمى  (منغولي )

بالاضافة لأناقته التي تشبه اناقة الناس الغير العاديين كان متميزا بسلوكه الذي يتجاوزهم احيانا ليقارب الى حد كبير اصحاب الحظوة  والسعادة  واصحاب المال والجاه

في واحدة من محاضرات اصحاب الرأي , وقبل ان يتم تشريف القاعة بحضور  اصحاب المقاعد الأمامية,  جلست بين المنتظرين  اتفحص السقف و الجدران والحضور  ثم انتقلت الى ادق تفصيلات القاعة ثم الى توافه تفصيلات التفصيلات .

  في تلك اللحظة دخل ذلك الشاب بأناقته المعتادة  رافعا يده بالتحية  شامخا برأسه  ناظرا الى الجميع من عل ( كأرستقراطي) يثق ان الجميع ينظرون اليه ..... باحترام .....بخوف ..... بتزلف ..!!!

ضحك الجميع  ..سخر الجميع ..قهقه الجميع

تجاهلهم . تقدم حتى آخر  مقعد الى اليمين في الصف الأمامي  وجلس . وكأن  ماحصل في القاعة لايعنيه انما هو موجه لشخص آخر .

بعد برهة  دخل أحد المسؤولين !!! وكأن ذلك المنغولي قد عاد ليدخل مرة اخرى !! مع فارق باستجابة الجمهور  .

وقف الجميع  احتراما ,  ومن لم يستطع بسبب العمر او تكدس الشحوم  اتكأ على مسندي الكرسي  وتمطى بباقي جسده  كي يحظى بنظرة عابرة , ليسقط بعدها متهالكا  وقد تنفس الصعداء  من التعب  اولا ولفوزه بتلك النظرة ثانيا.

 أما تلك المرأة التي كانت ترضع فلذة كبدها ‍؟‍ ‍‍‍‍‍‍! فقد نسيت ذلك,  وهبت واقفة, منتزعة حلمة ثديها بقوة مصدرا صوت فرقعة تاركة الفم الصغير يبحث,- وعيناه مغمضتان-  يمنة ويسرة  هاما بالبكاء  مبتدأ بتغيرات غير سعيدة  ارتسمت على وجهه الغض .

امرأة أخرى سقط معطفها الذي كان متوضعا بقلق على ساقيها  وباءت بالفشل محاولة امساكه بيدها التي كانت تبحث في الهواء على غير هدى  بينما عيناها معلقتان   علىالطلة البهية لذلك القادم ,  وتبع سقوط المعطف الحقيبة, وتبعثر ما بداخلها  لتستقر تحت الأقدام وينبجس مابداخلها مشكلا قوس قزح من كافة الألوان . ولكن لايهم فليذهب كل شيء فداء لتلك اللحظة  والسبق  لنيل شرف  نظرة من ضياء وجهه .

استقر الوافد في مكانه,  وهدأ كل شيء, وساد الصمت والسكون الا من صوت المحاضر,  الذي مافارقت عيناه  وافدنا العظيم  ولم يخل الأمر من متزرع  بتصحيح جلسته  ليقف ويلقي نظرة  ومن متثائب (ماطا ) رقبته  ليتبارك بلفتة .

وقف صاحبنا المنغولي  مغادرا بنفس الطريقة  التي دخل بها  ملقيا التحية  على الجميع,  وقد تهيأ له انهم  وقفوا لوداعه احتراما,  فأشار بيده الأخرى أن اجلسوا,  مترفعا  عن تلك الشكليات التي هو اكبر منها .

ضحكوا بصوت عال  وضحكت الجدران  واشتد الضحك  حتى كادت تنسلخ ظهورهم فتلامس الأرض  التي ملت اقدامهم .

كانوا ينظرون الى المسؤول ليقتدوا بسلوكه الذي جاراهم بدوره مبتسما ابتسامة صفراء  متعالية .

انتهت تلك المحاضرة  خرج الجميع خلف الضيف  مواكبينه  حتى سيارته  بالتصفيق  والهتاف  ..بالاقتراب  منه تارة  الابتعاد تارة اخرى  بفعل الدفش ... والنعر .. والنكل 

انطلق بسيارته  وتفرق الكل....  كل في اتجاه ؟!

مد المنغولي يده  في الهواء  وكأنه يمسك  مفتاح سيارة  وباليد الأخرى المقود  وأومأ لذلك الفضاء  الذي غص بما خلفوه من  عهر  .... ولا انتماء !!!  ان يلحقوا به  مصدرا صوتا..........  وي وي وي وي وي وي وي

يتشابه الواقع الافتراضي كثيرا مع ما يحدث على ارض الواقع فان وجدت نفسك في احد هذه الصور   فقط لأنك تعيش  الواقع  فكن في الصورة الإيجابية بقدر ماتستطيع  شكرا لحسن تحملكم