تيار جديد لإستراتيجيّة التسوية

منبر شفيق

تدخل الحرب على غزة شهرها الخامس وسط عجز دولي عن وقف آلة الإبادة الجماعية التي يرتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي (غيتي)

ثمةّ منهج تتبعه بعض النخب، وهو الدخول في لعبة السيناريوهات التي يقدّر أن تنتهي فيها حربُ العدوان على قطاع غزة إثر عملية "طوفان الأقصى". وقد دخلت شهرها الخامس، أو تعدّت المائة والعشرين يومًا على السابع من أكتوبر/ تشرين الأوَّل 2023.

من يلجأ إلى طرح السيناريوهات عمومًا يكون طرفًا ثالثًا غير طرفَي الصّراع أو الحرب الأساسيّين، أو يكون منحازًا لسيناريو محدّد، يريد أن يسوقَه لحساب أحد طرفَي الصراع. هذا دون إسقاط من يضمرون "مآرب أخرى".

لا يحتمل طرفا الحرب الأساسيان إلَّا أن يطرح كل منهما سيناريو واحدًا، وهو انتصاره في الحرب، خصوصًا في أثنائها، أو إذا طرح وضع اليوم التالي بعد وقف إطلاق النار.

لعبة السيناريوهات

ومن ثم لا يحتمل الدخول في لعبة السيناريوهات، لأنّها تتضمن في إحداها سيناريو خَسارتِه الحربَ، وانتصار عدوّه فيها، ولو اعتبر احتمالًا ضعيفًا، أو الاحتمال الأضعف؛ لأنَّه في النهاية، وبصورة غير مباشرة، يخدش تأكيدَه على انتصاره، وهزيمة عدوّه.

ومن هنا يغلب على المنخرط في لعبة السيناريوهات أن يكون طرفًا ثالثًا، فعلًا، أو مُبَطنًا. وهو الذي تحدّده الكيفيّة التي يطرح بها كل سيناريو من السيناريوهات خصوصًا، حين يرجّح أحدها، مروّجًا له.

ولنأخذ مثلًا ما يُطرح من قِبَل البعض (أكثر من فرد واحد أو طرف واحد).  وهنا ينقل معناه، وليس نصّه الحَرفي ما دام القائلون متعدّدين. ويجب اعتبار هذه المقالة تعاكس رغبتها، عند نقل السيناريوهات، موضوع النّقاش.

السيناريو الأول: تحقيق الكيان الصهيوني الأهدافَ التي وضعها للحرب التي شنّها ضدّ الشعب والمقاومة في غزة؛ وفي مقدّمها القضاء على حماس وقيادتها. (القضاء أيضًا على الجهاد وكل الفصائل المقاوِمة). وهدف إحداث تغيير ديمغرافي من خلال تهجير عشرات أو مئات الآلاف من السكان، بما في ذلك تغيير خريطة القطاع الداخليّة.

هذا السيناريو يعتبرونه الأضعف احتمالًا من بين السيناريوهات الثلاثة المطروحة. فهو مستبعد جدًا، ولا بدّ من أن يصحبَه "لا سمح الله"، وغسْل اليدين من طرحه أصلًا.

لأن مجرد اعتباره سيناريو محتملًا، ولو بضعف، أو عدّه الأضعف، يخدش ولو بصورة غير مباشرة، معنويات المقاومة والشعب في قطاع غزة، ويجعل ما تطرحه الحرب النفسيّة التي يشنها العدو، موضوعًا قابلًا للتداول. لأن من غير الممكن أن يمرّ مثل هذا السيناريو مرور الكرام.

ولهذا كان لا بدّ من الاعتذار عنه من قِبَل من يقترفون طرحه.

إستراتيجية للتسوية

أما السيناريو الثاني -الذي يشارك الأول في ضعفه لدى طارحي السيناريو الأول، ويسمونه السيناريو الثاني – فـ "بلا أفق سياسي" بحيث تنتهي الحرب، كما انتهت الحروب السابقة: 2008/2009، و2012، و2014، و2021. وذلك لتكريس هدنة ليعود الوضع كما كان قبل السابع من أكتوبر/ تشرين الأول: الكيان الصهيوني خارج غزة، ولكنه يحاصرها، فيما المقاومة والشعب يعودان للعيش والكفاح، والإعداد للمقارعة في ظلّ الحصار.

يبدو من هذا السيناريو  أنه سيّئ؛ لأنه لم يخرج بأفق سياسي. والمهم أنه ضعيف وغير متوقع. علمًا أنه في الأغلب، هو الاحتمال الأقوى، مع حذر من الدخول في لعبة السيناريوهات. وذلك بضرورة العودة إلى إستراتيجية الاستمرار في خيار المقاومة بعد وقف القتال في قطاع غزة. وذلك تحت شعار تحرير الأقصى، ودحر الاحتلال من القدس والضفة، وتفكيك المستوطنات.

وبهذا يتواصل مع "طوفان الأقصى" وإستراتيجية التحرير، وينسجم مع تجربة الصراع التاريخي، حيث لا أفق لحل سياسي. وهو الخط الإستراتيجي المقابل للخط الذي يحمله السيناريو الثالث، والذي يفصّل كالتالي:

يرجّحون السيناريو الثالث ليكون الأقوى احتمالًا، ويعتبرونه ذا "الأفق السياسي". فيسقطون عليه إستراتيجية تسوية يريدونها. علمًا أن ما من سيناريو إلّا وله أفق سياسي، وإن اختلف الأفق السياسي من سيناريو لآخر، إلّا إذا حُصِر الأفق السياسي، في التوافق على حلّ سياسي في إطار حل الدولتَين.

إنّ المقاومة بحدّ ذاتها، تحمل أفقًا سياسيًا، ولو حُصِرت باستنزاف العدوّ، أو بالتمهيد طويل الأمد، للتّحرير الكامل.

يتمنّى السيناريو الثالث حدوث توافق إقليمي – دولي– فلسطيني- كيان صهيوني، يحقق للفلسطينيين "دولة" (بالتأكيد "دويلة")، ويحقّق للكيان الصهيوني ما يحتاجه من أمن وأشياء أخرى، ليقبل بدوره، بالتوافق المذكور.

بعض الذين يطرحون هذا السيناريو يبعدونه من حلّ الدولتين؛ لأنه لا يتضمن اعترافًا بدولة الكيان.

ويبني أصحاب هذا السيناريو منطقهم بالاستناد إلى الحقائق التالية:

وذلك لإشراك حماس مع الكل الفلسطيني، لتحقيق التوافق الإقليميّ الدوليّ المتوقّع. ومن ثم لا بدّ من إسقاط هذا المحرم من حساباتهم.

والخلاصة طمأنة حماس بأنها لا بدّ من أن تكون شريكًا في مرحلة التوافق (التسوية القادمة). ثم طمأنتها أكثر بأن مشروع إقامة دولة سيتضمن، بعد سنة أو سنتين، إجراء انتخابات سيكون لحماس حصتها فيها.

توافق دولي

وبهذا ينشأ تيار جديد، ذو إرادة لدى كل الأطراف، لإحداث تغيير بشكل إيجابي. ويكون مستعدًا لدخول مسيرة التسوية.

أصحاب هذا السيناريو هم في الحقيقة لا يتحدثون بحيادية وموضوعية عن سيناريو محتمل، أو هو المحتمل الأقوى فحسب، وإنما يحثون على ترتيب البيت الفلسطيني بمشاركة الجميع، بمن في ذلك حماسُ من أجل الإفادة من "الفرصة" التي أتاحها "طوفان الأقصى". كما أتاحها الصمود والمقاومة في غزة. وهي غير فرصة استمرار المقاومة، والمضي بها إلى التحرير الكامل.

طريق مبدع للتحرير

إنهم يطالبون ويتوقعون توافقًا إقليميًا دوليًا، ومن ثم فلسطينيًا، ليفرض على الوضع الصهيوني التخلص من اليمين المتطرف، ومن نتنياهو، وتعزيز دور "الوسط" الذي يمكن أن يقبل بهذا التوافق، مقابل تأمين وجود الكيان ومستقبله؛ وذلك بإعطائه بعض ما يرضيه أيضًا.

يعني ذلك أن الحديث عن السيناريوهات يخبّئ وراءه اتجاهًا سياسيًا لحلّ القضية الفلسطينية على أساس إقامة دولة فلسطينية على أراضي 4 يونيو /حزيران 1967، ومن خلال توافق دولي مشكل من أميركا والغرب ودول الإقليم، ومن قيادة طوارئ فلسطينية يجب أن تشكل، كما والخلاص من محمود عباس، كما من نتنياهو، واليمين لإشراك "وسط" غير موجود عمليًا.

أي نحن بصدد، مشروع تسوية رقم 2 بشروط إقامة دولة، أفضل من الشروط التي قام عليها أوسلو. فالوهْم الذي ركب رؤوس بعض الفلسطينيين في الطريق إلى اتفاق أوسلو، أخذ يغزو عقول بعض الفلسطينيين الذين يريدون أن يأخذوا حماس و"طوفان الأقصى" والجميع، ليكررّوا م.ت.ف وفتح من 1988- 1993. وحتى مع مشارك أميركي.

نصيحة: لا تجربوا المجرب مع انتفاضة الأقصى التي شقت طريقًا مبدعًا لتحرير فلسطين، ولمواصلة المقاومة بعد هدنة، أو وقف لإطلاق النار.

وسوم: العدد 1069