كل المؤامرات تحت قدمي هاتين
كل المؤامرات تحت قدميّ هاتين...!؟
د.عبد الغني حمدو /باحث وأكاديمي سوري
كنا نمشي في أحد شوارع اللاذقية , أنا ومجموعة من الأصدقاء , وكنا نتحدث بصوت عال , عن أمور تعتبر شبه محرمة في عام 1980 , فما كان من صديقنا رائف , إلا أن صرخ من شدة الألم , بعد أن قال :( أنا أمشي الحيط ..الحيط .. وأقول ياربي الستر ) , فقد اصطدمت جبهته بقطعة من الحديد كانت بارزة للأمام قليلاً مما أدت لاصابته , وسال الدم منها بسبب الجرح الذي ألم فيه , فضحكنا على قوله , ومشينا ...
هل تعرف يارائف .؟
أن السبب الأكبر في تراجعنا , والعالم يتقدم أمامنا هو :
فقال هو.. من ؟
قلت له هو كثرة المؤانرات التي تحاك ضدنا
فقلب شفتيه ومطهما باتجاهين مختلفين , معبراً عن امتعاضه , من هذه الاجابة
فقلت له , لم تقتنع بجوابي
قال: لا
قلت له : هل تذكر عندما كنا نمشي في الشارع قبل إثنان وثلاثين سنة , عندما اصطدم رأسك بقطعة الحديد , وضحكنا وقتها عليك ؟
قال : تذكرت الآن , فطالما تذكرت الآن يارائف ياعزيزي , لنناقش الأمر بحيادية مطلقة
ألا يوجد في الحادثة مؤامرة ؟,
قال وكيف ؟
قلت المتآمر هو صاحب الجدار والذي جعل قطعة الحديد بارزة , والثاني هم المارة فلم يخطر ببال أحد أن هذه القطعة ستسبب الأذى للمارة , والمتآمر الثالث , هو رئيس البلدية , والرابع هو رئيس الجمهورية , وبعدها إسرائيل وأمريكا والإمبريالية, وكل هؤلاء تآمروا عليك ياصديقي المسكين .
فضحك كثيراً والدموع تتقاطر من عينيه من شدة الضحك , ثم سكت قليلاً لينظر إلي , فوجدني صامتاً جاداً في كلامي , وفي تعابير وجهي , فقال بصوت متقطع.. وما زال يلهث من شدة الضحك , ه....ل أن..ت جاداً فيما تقول ؟
انظر يارائف وفكر ملياً فيما أقول :
فلست مازحاً , وكلامي يخاطب واقعنا , ويعبر عن الأسى العميق , والموروث عبر أجيال مضت , حتى وصل إلينا , فقصة الفانوس السحري وعلاء الدين , نقرأها من حيث المتعة والأمنيات , ففركة واحدة للفانوس يظهر المارد ويطلب منك ماتريد , فيبني لك قصور وحدائق ويجلب لك الحسان الملاح , وعندما يريد التغيير , ينسف كل مابناه ليبني غيره ,فعقب وقال :
وماذا يعني ذلك ؟
هي قصة خيالية لاغير , تصلح للأطفال
لا .. ياصديقي .... إنه يريد أن يخبرنا بطريقة شيقة , أننا كبشر يمكننا تغيير مانكره , وايجاد مانحب , وأن الانسان لايعجزه أي شيء , وقد أعطاه الله عقلاً ميزه عن الجميع , وكما ترى الآن كيف أصبحت الكرة الأرضية , قرية صغيرة في متناول الجميع .
في مجتمعاتنا العربية غالبية الناس ينتظرون , فانوس علاء الدين , ويرون أن وطننا العربي هو تحت قوة وضغط المؤامرات الدولية , ولا يمكن تغيير الواقع الحالي , إلا بالفانوس السحري العجيب , ولكي تكون المؤامرة بضغط أكبر , الكثيرون يقولون , حضارتنا أخلاقية وحضارة الغرب مادية , وفقدنا بذلك الحضارة الأخلاقية , والحضارة المادية , فأي شيء من الحضارة الغربية هو مؤامرة . وكل شيء من تراثنا هو ضد المؤامرة .
فالثورات العربية التي نجحت , والتي هي في الطريق لنجاحها , يتهمونها الكثيرون بأنها مؤامرة , فكل شيء في حياتنا ياأخي مؤامرة , وحتى الحديدة التي فجت رأسك إن هي...... إلا مؤامرة
فابتسم وابتسمت وتابعت حديثي
في سورية ثورة شعبية , من نتائج الثورة أنها قد أعطت كيانات معارضة , كانت مختفية ومتقوقعة , فظهرت كيانات ومجالس وهيئات , ومنها المجلس الوطني , مجتمعين ومتلاقين وقلوبهم شتى , خوفاً من جحيم المؤامرة .
فالمؤامرات موجودة في كل مكان , وفي كل زمان , وبين الأخوة والأشقاء , وبين الآباء والأبناء والدول والجماعات والمجموعات , والمؤامرات لن تنتهي أبداً , مادامت الحياة موجودة على هذه الأرض .
فعلى سبيل المثال : هناك حقل مليء بالأدغال , وفي موسم تكثر الأفاعي فيه , وكان لابد لك من أن تعبر الحقل مشياً على الأقدام , فهل يمكنك أن تعبر الحقل حافياً ؟
قال لا , فلو مشيت فيه حافياً قد لاأصل للمكان الآخر , فقد تميتني لدغاة من أفعى وتكون فيها نهايتي .
إذاً ياعزيزي :
يمكنني اختصار التعامل مع المؤامرات بتعابير سهلة وبسيطة , وأن نطبقها على المجلس الوطني الممثل للثورة السورية , فنقول له :
لايمكنك النجاح ولا يمكنك الدعم , ولا القوة ولا الوضوح , إلا عندما تلبس لباساً يتناسب مع مقاسك , ومقاوماً لكل الأفاعي التي هي في طريقك , ببرنامج عمل واضح لديك في الحاضر والمستقبل , وتعرض مشروعك المتوافق مع لباس الثورة , على الدول والمنظمات التي يمكنها دعمك , وتقول لهم هذا مشروعي وهذه إرادتي , فإن أعجبكم ماعندي وأحببتم دعمي , فهي الحياة هكذا تعاون , وإن اعترضتم على ذلك , فنحن سنبحث عن غيركم , وهنا ستقف كل المؤامرات عاجزة عن النيل منك .
بينما إن كانت مبادؤك ضبابية , ومشروعاتك وهمية ومتناقضة , ولباسك وألوانه ليست متناسقة ولا مناسبة , فعندها كل المؤامرات تنهال عليك , وتعود بخفي حنين لتقول :لاأحتاج فقط الفانوس السحري , وإنما أيضاً قبعة الاخفاء .
فالثوار لم يرفعوا لافتة واحدة تندد بالمؤامرة , فهل تعرف السبب ؟
قال الآن عرفت , لأنه هدفهم واضح وطريقهم معروف , ومحفوف بكل أنواع المهالك والمخاطر , وأعدوا لهذا العبور عدته الكاملة , وجعلوا كل المؤامرات تحت أقدامهم .