الراحل جلال زنكَابادي، سيزيف عراقي انتظر غودو!

بدل رفو المزوري

كلّما أزر كردستان؛ أزرْ صديقي الأديب جلال زنكَابادي (في أربيل) برفقة الكاتب نوزت دهوكي (صديقنا المشترك) وبالأخص منذ إصابته بالجلطة القلبية شبه المميتة، وإجراء عملية استبدال شرايين قلبه المعطوبة، حيث نلتقيه في خلوته وسط أكداس الكتب مع حاسوبه، ونقضي سويعات مدردشين في الشجون الثقافية، لاسيما عن مصير نتاجاته المتراكمة منذ عقود، وفي كلّ مرّة كنت أرغب بإجراء حوار معه، لكنّه لايحبّذ الحوارات ويتحاشاها،وقد علّل موقفه قائلاً :

- الأديب يساوي نتاجه ؛ فلماذا لايتناول الصحافيون والنقاد نتاجاته، ويفضلون أن يثرثر؟!

* ولكنّك تعاني من الإقصاء والتعتيم والتهميش والتهشيم؛ ألا ينبغي تسليط الضوء عليك؟!

- ولماذا لاتسلّطون الضوء على النتاج وهو الأولى بذلك ،وليس شخصي؛ فأنّاً لست سياسياً بضاعته الكلام، ولا ممثلاً مسرحياً أو سينمائياً؟!

* أعترف بأنك محقّ

وطبعاً كان يهدينا في كلّ مرّة العديد من الكتب والمجلات و أيّ كتاب صادر له، وفي زيارتنا الأخيرة أهدانا كتابيه الصادرين حديثاً(سنة في الجحيم/ترجمة)و(ديوان الخيّام/ترجمة ودراسة) وقال بلهجة حزينة ساخرة :

- في السنين الأخيرة صدرت بضعة كتب لي، طبعاً عبر خرم الإبرة ، ومازال طابور العشرات الباقية في انتظار رحمة النور.. ولكن رغم إهدائي مئات النسخ من كتبي إلى الأدباء والصحافيين والجرائد والمجلات وغيرها؛ لم تحظ بغير بضع إشارات خبريّة ومقالات صحافيّة شبه عابرة!

* و لماذا لايكترثون بها ؟

- لأن أكثر الصحفيين والنقاد(أغلبهم انتهازيّون مخضرمون، أو أشباه جهلة مستجدون) دائبون على الكتابة عن كتب مسؤوليّ الأجهزة والمؤسسات الثقافية والمتنفذين في أجهزة السلطات وأذيالهم هنا وهناك؛ مادامت المكاسب الدسمة بأيديهم من طبع كتب ودعوات مهرجانات وإيفادات وسفرات سياحيّة ... ناهيكم عن الحسد والغيرة في وسطنا الثقافي الموبوء بشتى الأمراض وأطغاها هو النفاق، فلو كنت أنا وأمثالي من ذوي المناصب السلطويّة(السياسية أو الثقافية أو المزدوجة) لكان الإنتهازيون المرتزقة يكتبون عنا ويشيدون بإنجازاتنا عبر وسائل الإعلام كافة خمس وعشرين ساعة يوميّاً! ولكانت أجهزة ومؤسسات النشر تطبع وتنشر حتى ضرطاتنا الصباحيّة قبيل الغداء، ثمّ تشيد بأصدائها على الصّعد المحلّية والعربيّة والعالميّة!

وتكمن الطامة الكبرى في أن أكثر ساسة العراق وأصحاب القرار الثقافي أدباء فاشلون ومثقفون خاوون لايتحملون تفوّق أديب أو فنان مبدع مستقل مرفوع الهامة؛ فلا عجب إذا كان التعتيم نصيب كتبي وكتب أمثالي من المقصيين المغيّبين والمهمّشين..

* ولكن إلى متى؟!

- إلى ماشاءت الأنانيّة والمحاباة والمحاصصات والنفاقات والمقايضات التصفيقيّة...ورغم ذلك لابدّ أن يتبخر الزبد(الوغف)ويرسب ما ينفع الناس، كما يقال. والمستقبل حتماً ليس لأصحاب الكراسي والمشاهير المزيّفين؛ مهما إستفردوا واستحوذوا....وتاريخ ثقافات الشعوب والأمم يعجّ بالمئات من الأمثلة الساطعة..

وبعدها ناولني قائمة بكتبه الصادرة والماثلة للنشر وكذلك أجندته التي يشتغل عليها كسيزيف بلا كلل أو ملل منتظراً غودو!

وفيما يلي تفاصيلها؛ لعلّ بعض الناشرين يستحسنون ما يناسبهم منها:

(أ)- الكتب الصادرة:

(ب)- كتب قيد النشر:

(ج)- كتب جاهزة للنشر(أكثر من نصفها منضّد ومنقح جاهز للتصميم):

(د)- كتب قيد الإستكمال والإنجاز(ليس ثمّة كتاب غير منجز حتى النصف، ويحتاج أغلبها إلى التنضيد والتنقيح)):

وكذلك:

* سلسلة قصائد مختارة من( كردستان/ ايران/ أفغانستان/ تاجيكستان/ آذربايجان/ أرمنستان/ كَرجستان(جورجيا)/ الهند وباكستان وبنكَلاديش/ افريقيا/ تركيا/ أوزبكستان وكازاخستان وقرغيستان وتركمنستان/ إسبانيا وأمريكا اللاتينيّة

* أكثر من عشر مجموعات شعرية باللغتين الكرديّة والعربيّة(ج.ز)

* بضعة كتب باللغتين العربيّة والكرديّة في شؤون الثقافة الكرديّة

* بضعة كتب في شؤون شتى ثقافات شعوب العالم

* بضعة ألبومات فنون تشكيليلية لفنانين: إيرانيين، ترك، هنود و تاجيك......

ملحوظة: لايقل أيّ كتاب عن مائة صفحة من القطع المتوسط ، ويقع بعضها في ثلاثمائة صفحة وأكثر...

ومنْ يرتاب في زعم أديبنا زنكَابادي؛ يمكنه البحث عن الحقيقة عبر صفحات النت عن غيض من فيضه، إن لم يستطع الظفر بالعشرات من المجلات والجرائد العربية والكردية، التي نشرت بضع مئات من مساهماته منذ عقود وحتى الآن.

وبعد قراءة أجندته سألته:

وبعد جولة في مكتبته العامرة(قرابة 5 آلاف كتاب وألف مجلّة ببضع لغات) حضرني هذا التساؤل:

* متى بدأت بتكوين مكتبتك؟

- منذ سنة1961 وأنا في الصف الخامس الإبتدائي، ولكن الكتب والمجلات التي رأيتها الآن يعود أغلبها إلى سنة 1998 فصاعداً

* وما مصير ما قبلها؟

- تعرّضت مكتبتي لبضع نكبات؛ فقد أجبرتني الظروف الإستثنائية القاهرة(القمع والجوع وعدم الإستقرار) إلى التخلّص تارة والتخلّي تارة عن أغلب ما في مكتبتي من كتب ومجلاّت،وأبرز تلك النكبات حصلت في السنوات: 1974 خلال الهجمة البعثية الشرسة على كردستان/1978 خلال الهجمة العفلقيّة الفاشية على الحزب الشيوعي والقوى الوطنية والديموقراطية/1987-1988خلال عمليّات الأنفال الوحشيّة/ 1995-1996خلال الإحتراب الكردستاني(الإقتتال الأخوي!)  

* يا ترى كم كتاباً قرأت لحدّ الآن تقريباً؟

- أكثر من عشرة آلاف بضمنها المجلات والصحف طبعاً؛ لأنني منذ 1961 قلّما مرّ يوم ولمْ أقراً فيه مائة صفحة على الأقل، رغم جميع الظروف القاهرة.

* أعرف إنك موظف بسيط ؛ فمن أين لك النقود لشراء كلّ هذه الكتب القيّمة؟!

* ألا يؤثر صرفك المفرط على الكتب على معيشة عائلتك؟

- لعيش عائلتنا الكفاف راتبي الوظيفي ونسبة كبيرة من مكافآتي الأدبيّة ومراجعاتي اللغويّة والترجميّة؛ وإذا ما أصابتنا مصيبة أو بلوى؛ فأسارع إلى بيع الكتب غير الجوهريّة في مشاريعي، ناهيك عن انني مدبّر قدير متمرّس في استبدال الكتب، فمثلاً أتخلّى عن عشرة كتب مقروءة بيعاً أو مقايضة للحصول على كتاب جديد يهمني، ثمّ لاتنس الكتب الواردة إليّ كإهداءات من أصدقائي وزملائي

* ولكنّك في الوقت نفسه تهدي الكثير من الكتب والمجلاّت والصحف إلى المثقفين والقراء، ولمْ أرَ أو أسمع بنظير لك لحدّ الآن...

* ومع ذلك يصفك أكثر الأدباء بالإنطواء!

وهكذا استطعت استدراج صديقي الخضرم بالمناورة لهذا الحوار العفوي الطريف،. وبعد تحريره، عرضته عليه عبر النت طالباً موافقته على نشره؛ فلم يمانع بعد ضبط بعض المعلومات بدقة، ومراجعته اللغويّة وتزويدي بصور بعض أغلفة الكتب التي ليست بحوزتي، و ها أنا أنشره؛ لعلّه يلقي شعاعاَ على أشهر أدبائنا المغمورين في الظل!

 

 

 

 

 

جلال زنكَابادي

سيرة خاطفة

 

* جلال حسين محمد أمين زنكَابادي- لَُرستاني(1/12/1951كردستان العراق): شاعر، مترجم، ناقد وباحث عراقي باللغتين العربيّة والكرديّة ، ويترجم إليهما عن: الفارسية،الإنكَليزية،الإسبانية، والتركيّة الآذرية...ويقرأ ببضع لغات أخرى.

* عصاميّ النشأة ؛ فبعد اغتيال والده في أواخر1960 لنشاطه الوطني؛ إسترجل مبكّراً وانخرط في شتى الأعمال والحرف: صانع تنانير، عتّالاً، عاملاً في مكافحة البعوض وعامل بناء... ثمّ بائع كتب على الأرصفة في السنوات(1987-1997) وقد تعرض للترحيل والتبعيد وفقد دارين له حجزاً ونسفاً في العهد العفلقي البائد.

* تثقيف ذاتي موسوعي. إبتدأ القراءة الجادّة منذ(1961) و الكتابة منذ(1963) ثمّ النشر في الجرائد والمجلاّت منذ(1967) لكنّه لم ينشر حتى الآن إلاّ القليل من كتبه المؤلّفة والمترجمة، وهي بالعشرات.

* ينشر باسميه (ج ورده) و(ج زنكَابادي) وأكثر من عشرة أسماء مستعارة. وهو يعرّب أحياناً مايكتبه بالكرديّة، ويكرّد مايكتبه بالعربية،ويترجم أحياناً النصوص الأجنبيّة إلى الكردية والعربية كلتيهما في الوقت نفسه.

* عمل معلّماً في التعليم الإبتدائي (1971- 1991) في القرى البعيدة والنائية مبعداً وشبه مبعد ، ثمّ في الجرائد والمجلات محرراً، مشرفاً ثقافياً ولغوياً، في الأقسام والملفات الأدبية والفنية والثقافية، وسكرتيراً ومديراً ورئيساً للتحرير لبضع مجلات في اقليم كردستان العراق.

* راجع ونقّح الكثير من النصوص الأدبية والبحثية والكتب المؤلفة والمترجمة للعشرات من الأدباء الكرد والعراقيين ومنهم أساتذة جامعيون.

*ساهم في الهيئات التأسيسية لـ(جمعية مترجمي كردستان/ 1992)و(الحركة الشعبية الكردستانية/ 1996)،(المركزالثقافي والإجتماعي لكركوك/ 1998) ومجلّتيّ(نَوْشَفَق) و(بابا كَركَر/2003 بكركوك)

*شارك في سنة2000 بدور شاهد رئيس في الفيلم التسجيلي(الأراضي الضائعة)وهو عن تدمير البيئتين الطبيعية والبشرية في كردستان العراق.

* له مساهمات متواترة على صفحات بضعة مواقع إنترنتية منذ 1999

رحل الشاعر الكبير الموسوعة عن عالمنا بداية شهر سبتمبر من عام 2023 وترك وراءه ارثا انسانيا كبيرا .. وهذا اللقاء لم ينشر   في الصحافة وسبق ان اجريت معه قبل سنوات

وسوم: العدد 1109