مدخل إلى التنمية السياسية
مدخل إلى التنمية السياسية
زهير سالم*
(1)
التربية على النقمة!!
تحتاج المجتمعات العربية إلى مزيد من تنمية الوعي السياسي، لإدراك ما يجري حولها أولا، ولإجادة توصيفه والتعبير عنه ثانيا، ولامتلاك القدرة على تحديد الموقف منه وحسن التعامل معه ثالثا. وحين أستخدم مصطلح المجتمعات العربية أقصد العامة والخاصة على المستويين الفردي والجمعي على السواء. أقصد رجل الشارع المنهمك في عمله اليومي، وكلما رفع رأسه عن عربة الخضار التي يجرها أطلق تعبيرات سياسية يختزل بها المصيبة التي يعيش أو ربما يعمقها، كما أقصد رجال النخبة العربية الذين ما تزال تقرأ لهم هنا وهناك كلاما يقنعك أن صاحبه يحطب بليل، ويخبط خبط عشواء.
وليس ساكن السرايا في العالم العربي في درجة الوعي والإدراك بأفضل كثيرا من ساكن ( القرايا )!! فالناس في عالمنا كلهم في الهم شرق. تسمع أو تقرأ لزعماء أو وزراء أو مفكرين أو قادة.. فتتذكر قول ابن الخطاب المأثور ( تعلموا قبل أن تُسوَّدوا..) لأن الخطل أو القصور في مقام السيادة يشين المقام أكثر مما يشين صاحبه.
حين تستمع إلى منابر التعبير الحر في العالم العربي، أو حين تتابع بعض التعليقات في المنتديات العامة، أو بعض ما يصل من هنا وهناك من حوارات؛ تدرك حجم المشكلة التي يعيشها الإنسان العربي في ضعفه عن تمثل واقعه، أو عجزه عن حسن التعبير عنه. وحين تواجه الحالة متأملا تدرك أنك أمام مشكلة ذات وجوه متعددة بعضها نفسي، وبعضها عقلي، وبعضها معرفي. وأنك أمام مجتمع بحاجة إلى الكثير من التنمية السياسية على صعيد الرؤية والتعبير والموقف. ولأمر غير مفهوم ولا مسوغ لا ندري لماذا خلت مناهجنا المدرسية في جميع المراحل من قواعد التفكير السياسي ومناهجه وأدواته؛ إلا ما كان منها في تمجيد حاكم أو حزب أو صاحب مقام!!
على الصعيد النفسي في الموقف العام للإنسان العربي، وفي ضمير كل إنسان عربي سياسي صغير أو كبير، أعتقد أن التربية على النقمة أو الانطلاق منها هي أس الداء في صناعة أخلاقنا السياسية.
التربية على النقمة بدأت على يد المندسين في هذه الأمة منذ سيدنا عثمان ذي النورين رضي الله عنه، وانتهت بقتله، ليستمر الموقف الرافض والمندد أو المستثمر في الرفض والتنديد.
الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الذي واجه الجاهلية بكل طاغوتها وعنادها وجبروتها لم يكن حادا في تعامله معها كما هو حال القوى والقيادات العربية بعضها مع بعض. نقض الرسول الكريم، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، العقائدَ وغير الكثير من القواعد ولكن بمنهج التبشير وليس بمنهج التنفير، الذي لم يلجأ إليه إلا يسيرا. كان الرسول الكريم يمتلك مشروعا إيجابيا متكاملا يدعو إليه الناس. بل قل كان يملك وجها جديدا جميلا للحياة يبشر به ولم يكن مضطرا لعد الثآليل في وجوه الآخرين..
قال لهم: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.. وفي هذا القول جسر ينصبه بينه وبين قلوبهم، وهو نوع من الاعتراف الضمني بمكارم كانت موجودة. وهي موجودة بقدر ما في كل تجمع بشري بل في كل نفس إنسانية. وهو اعتراف يلغي المنطلق العدمي الذي يشغل نفوس البعض فيعز عليهم أن يعترفوا لمخالفهم ولو بجمال لون العينين.
قال لهم: خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا، فاحتفظ بالتليد الموروث ونبه على الطريف المكتسب. ونهى القرآن الكريم عن سب آلهة الذين كفروا.. لئلا يكون السب واللعن منهجا متبادلا في حياة الناس، وأكد الرسول الكريم أن المؤمن ليس بطعان ولا لعان ولا فاحش ولا بذيء، واعتبر من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، قيل له وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه..
صورة المجتمع الجميلة النقية التي بشر بها الرسول الكريم امتدت من إطارها الجماعي إلى إطارها الفردي، وشملت الأحياء والأموات أيضا. كان بعض المسلمين كلما رأى عكرمة بن أبي جهل قادما، رضي الله عن عكرمة، قال: هذا ابن عدو الله. ويتأذى عكرمة ويصبر، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء..
مشروع الرسول الكريم، وتوجيه الرسول الكريم، وتعليم الرسول الكريم كان دائما نحو الأجمل والأنقى والأرقى، وهو الذي طالما أعلن حرصه على أن يخرج إلى الناس سليم دواعي الصدر ( لا تبلغوني عن أصحابي شيئا فإني أحب أن أخرج إلى الناس سليم دواعي الصدر)...
وعلى الجانب الآخر من عالم الخطأ أو الخطيئة يمتد الموقف الناقم من عالم الشعور إلى عالم الفكر إلى عالم السلوك فإذا الإنسان ( المسلم !! ) الذي سماه رسول الله ( آلفا مألوفا..) جندي محارب في بيته ومع زوجه وأولاده، وفي أسرته ومع إخوته وأبناء عمه، وفي مجتمعه مع جيرانه وخلطائه؛ ودائما الكنانة مليئة بالسهام، والسهم في القوس مفوّق والرمي أو الرجم لأول طالع يخرج من خلف الثنية..!!
وحين لم يجد الحطيئة أحدا يرميه بعد أن هجا زوجه وهجا أمه قال:
أبت شـفتاي اليوم إلا تكلما بهجر ولا أدري لمن أنا قائله
أرى لي وجها قبّح الله خلقه وقُبّح من وجه وقُبّح حاملـه
ترتد حالة النقمة التي لا تجد لها موضوعا تقوم فيه على صاحبها فإذا هو متمرد ساخط على كل شيء في الوجود.
في حوار خاص مع أحد المثقفين كنت أتحدث عن خطورة التربية على النقمة التي ابتليت بها مجتمعاتنا المسلمة والعربية، ولا سيما على مستوى الشباب الذين أصبح من الصعب عليهم وسط زحمة السلبيات التي ينوء بها ضميرهم؛ أن يجدوا للعمل الإيجابي البنّاء مدخلا.. قطع علي صاحبي القول معترضا: بأن الإمام زين العابدين بن الحسين رضي الله عنهما كان يمر على الجزار فيسأله هل سقيت هذه الشاة قبل ذبحها؟ فيقول له الجزار نعم. فيجيبه سيدنا زين العابدين: ولكن أبي الحسين مات عطشانَ..!!
هذه الصورة، وبغض النظر عن مضمون الواقعة ، وصحة نسبتها لسيدنا زين العابدين، أصبحت حالة سائدة في ميدان التربية السياسية عند السنة والشيعة على السواء. فأنا هنا لا أكتب من منطلق مذهبي وإنما أردت توظيف الواقعة توضيحا للمراد. هذه النقمة تسد الأفق وتئد إرادة الخير في النفس الإنسانية، وتجعل الإنسان كالهائم الذي لا يشعر بالري أبدا. والهيام لمن فاته المعنى اللغوي داء يصيب الإبل فتشرب فلا تروى.
النقمة على التاريخ، والنقمة على رجاله، والنقمة على الحضارة والحاضر، والنقمة على الخصم والنقمة على المخالف والمغاير، حتى ينقم من أصاب أدنى السفينة على من أصاب أعلاها، والنقمة على غير المتابع ولو في يسير من الأمر؛ كل أولئك داء نفسي يعمل عليه ويغذيه فريق من الناس من أتباع جميع المذاهب الدينية والمدنية على السواء؛ وهي تعبير آخر عما سمته الماركسية الحقد الطبقي، ثم أضاف له البعض القداسة فأطلق عليه الحقد المقدس، ثم استعاره زورا بعض أدعياء الإسلام فجلببوه وعمموه!!
تشغل هذه النقمة الناس عن تحصيل مصالحهم والتعاون فيما بينهم ولو على الميسور من الأمر، لينغمسوا دائما في النيل من بعضهم، وتشنيع هذا على ذاك، ورد ذاك على هذا..
وتأخذ أعينهم عن رؤية ما هم فيه من خير ونعمة وفضل يمكن أن يكون أساسا صالحا ليُبنى عليه فيعلو البنيان..
انسداد الأفق السياسي أمام الخاصة والعامة يحاصر الناس في مربع التذمر والرَّفض والانتقاد والاتهام والتخوين ..
وعجز الناقم عن التفكير الإيجابي، أو عن التعبير الإيجابي، أو عن التسلل بإرادة الخير إلى واقعه الذي يعيش ، في ظل حالة الانسداد تلك يجعل الواقع السياسي العربي يدور في فلك ( الذبح والسلخ والإدانة والشتم )..
ومنذ البداية كان حديث الإسلام إلى الناس حديث النعمة ولم يكن حديث نقمة، أمرهم: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)، وذكّرهم (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ..)
(2)
في التربية على الغرور
لا أدري إذا كانت حقيقة الغرور هي الوصف المناسب لحالة رفض المعطى الواقعي، والبناء على الحلم. وحلول الوهم العاطفي محل القدرة، واختلاط الإرادة، كركيزة عملية من ركائز الإنجاز، بالرغبة والأمنية. لعلي وجدت الغرور الكلمة الأنسب التي تصف حال أقوام قيل فيهم:
رضوا بالأماني وابتُلوا بحظوظهـم
وخاضوا بحار الجِد دعوى فما ابتلوا
الآباء لا يحبون أن يظهروا أمام أطفالهم قصيري اليد، محدودي القدرة، عاجزين عن تلبية طموحات هؤلاء الأطفال، الذين يتصورون آباءهم أو أمهاتهم محور هذا الوجود. الذي أعلمه يقينا أن هؤلاء الوالدِين يضطرون إلى فتح أعين أبنائهم على الواقع : (لا نستطيع..) بعضهم يفعل ذلك بطريقة حكيمة، وبعضهم بأختها. ولكن لا بد مما ليس منه بد كما تقول العرب. تصرخ الأم في ابنتها أو في ابنها الذي يضرب برجله الأرض إصرار يطالب بشراء خصوصية ليست في مقدور أو ميسور أسرته: ( ما معنا ) أو ( لا نستطيع ) أو ( سأترك دورا لأختك أو أخيك ..)
في عالم السياسة العربية على الصعد العامة والخاصة لا يحصل هذا...!! في الدول كما في الأحزاب والقوى، يُفترض في ولي الأمر كما يقدمه إعلام زخرفي أن يكون قادرا مقتدرا، ولكي لا تخدش هذه الصورة البراقة المغرية يعاد صياغة كل الحقائق أو تمويهها بالطريقة التي تخدم الصورة التي لا ينبغي أن تخدش. ، دائما على هذا الطرف من العالم لا يجوز أن ينسب إلى القائد الرمز القصور..
بطريقة أخرى يجب أن تُلف عقول المخاطبين بقطع الشاش المبلل (بالكلوروفوم) لكي تظل قادرة على أن تعيش ( الحلم الماريجوني ) والويل كل الويل لمن يحاول أن ينخز ما تحت هذا الشاش بطرف دبوس. وبينما يحتفظ محنطو العقول بمكانة البطولة والسيادة والريادة سينبذ الذين يطالبون بالتفكير المستقيم القائم على قواعده ومعطياته بما شئت من ضعف ووهن وتفريط..
وزيادة في الإثم وإيغالا فيه يحاول الكثيرون أن يصوروا الدعوة إلى العقلانية والواقعية والبناء على المعطى العملي على أنها ضرب من الانهزامية والخضوع والذل. وأن يطوروا كل يوم جديدا في أحلام الفلاّحة البسيطة حاملة جرة اللبن التي كان لها قطعان من الأغنام والماعز والأبقار قبل أن تضرب الجرة بعصاها فينسكب ما فيها من حليب على رأسها وثيابها. شكرا للذين وضعوا لنا الحكاية في منهاج الصف الثاني الابتدائي سنة 1955..
في كل يوم هدف خادع جديد، وكلام الصيف يمكن أن يقال في الشتاء لا بأس!!. وكلام الليل يمكن أن يحكى بالنهار ما الذي يمنع؟! ويمكن أن يدخل الناس ما شاءوا في مسائل الدور وأولوية البيضة والدجاجة فلماذا العجلة!! كل شيء إلا أن يُسمح للفرد أن يفرك عينيه جيدا، ويُعمِل عقله ليتبين ما يدور حوله ( قال الغزالي في المنقذ من الضلال: إنك إذا حركت يدك بنقطة الضوء بسرعة ستراها دائرة متكاملة. احذر من الثقة بالحواس وحدها..)
تشكل متابعة الحوارات أو المنابر الحرة للرأي العام العربي مادة خصبة للدارسين لإدراك حجم الخلل في قوانين العقل العام والتي يصدر عنها خطاب جمهور العامة و بعض الخاصة في كثير من الأحيان . وأعتقد فيما أعتقد أن رصد هذه الظاهرة من قبل مختصين أكفاء سيعين بلا شك المخططين التربويين على تلافي موطن الخلل في مسالك التفكير فيما لو توفرت الإرادة لذلك..
والذي يمنع من توفر الإرادة، فيما أزعم، أمران؛ الأول أن ولي الأمر العربي بدء من مكانته في الأسرة، والعائلة والعشيرة والحزب والجماعة والدولة يعز عليه أن يقول لرعيته أو لمن تحت ولايته ( هذه أرضنا وهذا سقفنا )، وعلينا أن نتدبر الأمر بينهما. لأن هذا القول يخل بحق الرياسة والزعامة في تصور الكثير من بني قومنا. قول عمرو بن كلثوم ما يزال يرن بجرسه في آذاننا جميعا
ألا لا يجهلن أحد علينـا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
إذا بلغ الفطام لنا رضيع تخر له الجبابـر ساجدينا
والإحالة على الحلم الأمل سيظل أهنأ وأرغب وأهيب.. ومنذ اتفاقية فصل القوات أي منذ خمسة وثلاثين عاما والحديث عن تحرير الجولان ما يزال قائما. و تحول الحديث عن التحرير إلى حديث عن سلام عادل ودائم. هذا الحديث المزخرف هو أهون مؤنة من خطة عملية واقعية للتحرير. ولكل أسرة أو حزب أو عشيرة أو مجموعة (جولانها المحتل) و(أمانيها الخِصاب) . هذا العنفوان المزيف هو الغرور عينه الذي يبني عليه الأدعياء مجدهم، ولا يستيقظ المأخوذون بخُماره مهما تتالت عليهم السنون..
والمانع الآخر الذي يمنع من توفر الإرادة لإعادة العقل السياسي العربي إلى جادة الصواب أن بعض الزعامات إنما ترتفع على طافي السيل هذا؛ فكيف تريدها أن تواجهه أو أن تتخلى عنه فتبقى على الدقعاء..السير وراء الجماهير وليس قيادتها، والخضوع لحماستها وليس ترشيدها؛ هي طريقة قديمة جديدة في نشدان المكانة والمنزلة..
في فرعون يقول الله تعالى (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ). وفي قصة هرقل حين عُرض عليه أمر الإسلام وسأل عنه أبا سفيان، وقال ليبلغن موضع قدمي، وأغلق الأبواب على بطارقته ليستشيرهم في أمر الإسلام: ( نخروا ) فاستدرك قائلا إنما أردت أن أتفحص حميتكم لدينكم..!!
في مكتبة الإمام أبي حامد الغزالي كتاب عنوانه ( معيار العلم ) يعلم الناس طرائق التفكير للوصول إلى الحقائق عبر منهاج. يقرر في موطن آخر أن أركان الإنجاز أربعة: المعرفة والإرادة والقدرة والحاجة. لا يذكر الحلم ولا الأمنية ولا الشوق المقيم.
وفي سلسلة عالم المعرفة في الكويت تُرجم منذ عقد ونصف سنوات كتاب عنوانه ( التفكير المستقيم والتفكير الأعوج )، كم تمنيت أن أراه مقروء في من أمة لا يقرأ.. كنت أتحدث عن الغرور والعقل السياسي ولكني أعود الآن خطوة إلى الوراء لأتحدث عن قوانين العقل الأولي.
أمتنا بحاجة إلى معيار للعلم جديد، وإلى منقذ من الضلال جديد، وإلى إحياء لعلوم الدين جديد. بحاجة إلى تربية تخرجها من التيه ومن الغرور الذي هي فيه إلى ساحة الحد والجد..
* مدير مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية