الإفراط في تدليل الأبناء في رواية المائق لجميل السلحوت

د. روز اليوسف شعبان

fdfddf1078.jpg

صدرت رواية المائق  للفتيات والفتيان للأديب المقدسيّ جميل السلحوت عن مكتبة كلّ شيء في حيفا، 2024، تنسيق شربل إلياس، وتقع في 149 صفحة.

الكاتب جميل السلحوت روائيّ غزير الإنتاج، يطرق مواضيع مختلفة في رواياته، وهي في معظمها تتمحور حول العادات والتقاليد والأفكار النمطيّة السائدة في المجتمع العربيّ، وقد خصّ المرأة وما تتعرّض له من تميّيز وإجحاف في حقوقها، في الكثير من رواياته منها: رواية الأرملة(2023)، وهي رواية مشتركة مع الروائيّة المقدسيّة ديمة السمّان،  رواية المطلّقة(2020)، رواية الخاصرة الرخوة(2020) كما أنّه لم يغفل حياة البداوة وعاداتها وتقاليدها، فذكرها في العديد من رواياته، ومنها رواية المائق.

والمائق هو الطفل الذي يتأخّر في الحبو. تدور أحداث الرواية في العهد العثمانيّ في البادية في عشيرة الشيخ مسعود،  التي تقطن في منطقة" الطّبق" قريبا من مقام النبي موسى-عليه السلام- في فلسطين في الطريق الواصل بين القدس وفلسطين. وكان ماجد الملقّب" بالمائق" ابن الشيخ مسعود، ووالدته صفيّة.

طرح الروائيّ السلحوت مواضيع عديدة في روايته منها:

      وقد  وضعت زبيدة والدة صفيّة بصمة من الحنّاء على جبين صفيّة، وبصمة أخرى على منتصف لحيتها، طلبت منها أن تتمدّد على الفراش وترفع ثوبها، ليظهر بطنها  وصدرها، وضعت دائرة من الحنّاء حول سُرّتها، رسمت بالحناء وردتين على نهديها، ووردتين على منتصف فخذيها وهي تقول: "عندما يرى الزّوج هذا على جسد زوجته فإنه يهيم بها، ثم رسمت وردة على ظاهر وبطن كفّيها وذراعيها".( ص 19-20). مع ذلك فإن المرأة البدوية كانت تعتبر من الحرائر، ولا تعيش حياة الحريم، وهذا يعني أنها كانت تتصرّف بعفوية دون حرج كما الرجال، وتتحدث معهم دون خوف، وقد تمتّعت المرأة برشاقة الفرسان، وكانت فارسة تركب الخيل وتتعلّم الفروسيّة.

     ورغم محاولات الشيخ مسعود تعليم ابنه الفروسيّة منذ طفولته، إلا أنه لم يفلح بذلك، فماجد لم يكن نبيها، ولا يسأل ليتعلّم، وكان منطويا لا يخالط أحدا، ممّا أغضب ذلك الشيخ وآمن أن ابنه ماجد لن يغدو شيخا في المستقبل.  وقد استاءت صفيّة من ذلك، وخشيت أن يتزوّج الشيخ مسعود بامرأة أخرى، ورغم أنّ صفيّة أنجبت ولدا آخر (سلطان) وقد كان نبيها ذكيّا بعكس أخيه، إلا أنّ الشيخ مسعود تزوّج بفتاة أخرى، وأحضر ضرّة لزوجته صفيّة التي اغتاظت وبكت، لكنّ والدتها نصحتها بالتظاهر بالرضا ومباركة هذا الزواج.

       لم يحتمل الشيخ مسعود بلاهة ابنه وسذاجته فطرده من العشيرة رغم أنه كان متزوجا منذ فترة وجيزة، وقد ترك زوجته حاملا دون أن يعلم بذلك. فهام ماجد على وجهه في البراري حتى التقاه صدفة أعرابيّ فأخذه إلى عشيرته في تبوك في السعوديّة، وقد احتضنه شيخ القبيلة( الشيخ سعيفان) وعرف من ماجد أنه ابن الشيخ مسعود، وجعله يرعى الماشية مع أولاده، وعلّمه الفروسيّة، فشعر ماجد برجولته؛ فصار يتنبّه لأمور ويدركها، تحسّنت قدراته بشكل لافت، وبعد مرور خمس سنوات صار يشارك في سباقات الخيول وفاز في إحداها، كما صار يجالس الرجال في ديوان الشيخ، وإذا ما جاء متخاصمان فإن ماجد يستمع مع الشيخ لحجّة كل ّ منهما.

     بعد خمسة عشر عاما قرّر ماجد العودة إلى عشيرته،  فنصحه سعيفان ثلاث نصائح تنجيه من الموت إن اتّبعها، وبالفعل نفّذ ماجد نصائح الشيخ سعيفان ونجا من الأخطار التي واجهته في طريق العود،  وحين وصل ماجد سالما إلى عشيرته تفاجأ الجميع من شخصيّته ولم يصدّقوا أن هذه هو ماجد الذي كان أبلها بسيطا وقد اعتقدوا أنه مات، وها هو يعود رجلا واثقا بنفسه ومعه كميّة كبيرة من الذهب وجدها في طريقه عند السيل الجارف. ثمّ ما لبث الشيخ سعيفان أن زار الشيخ مسعود وسلّمه ثلاثمائة رأس من الغنم البيّاض، هي أجرة ماجد من عمله بالرعاية. وهكذا اشترى الشيخ مسعود الكثير من الأراضي الزراعيّة في مدينة أريحا، وبنى البيوت لأولاده، وانتقلوا الى العمل في الزراعة.

       كتبت الرواية بأسلوب شائق ولغة جميلة، تكثر فيها الأمثال الشعبيّة  والأقوال المأثورة، والأغاني والمهاهاة، الأحاديث النبويّة والآيات القرآنيّة، ممّا يرسّخ هذا التراث الهام في نفوس فتياتنا وفتياننا. ومما ورد في الرواية ما يلي:" "النساء أكثر من الهمّ على القلب"(ص 11). "إكرام الميّت دفنه"( ص 42). :" فرحنا للأقرع حتى يونّسنا، كشف عن قرعته وخوّفنا"(ص 29). :" الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة"(ص 48).:" التعارف من السُنّة"( ص 71).:" إذا كان صاحبك عسل لا تلحسه كلّه"(ص 76).:" بين حانا ومانا ضاعت لحانا"(ص 92). ومن المهاهاة ما يلي:"

أويها يا شيخ بيتك مشرّع بفتيخه

آويها شِقْ بيتك مقعد للشيخه

آويها يا شيخ بيتك مشرّع بالخاتم

آويها وشِقْ بيتك مقعد للحاكم". (ص85).

هاي ويا بيّ ماجد يا عامود رجالنا

هاي ويا صاحب الهيبة وامشِ قدّامنا

هاي ويا بيّ ماجد يا عامود أهالينا

هاي ويا صاحب الهيبة وامشِ على هوانا"(ص 85).

يمكن اعتبار رواية المائق، رواية تعرّف الناشئة بحياة البدو، وهي زاخرة بالقيم العربية الأصيلة عند البدو، كالكرم واحترام الضيف وتقدير شيوخ العشائر، والاهتمام بالفروسيّة ونجدة المستغيث، ومساعدة المحتاج، إضافة إلى أهميّة تربية الأطفال تربية صالحة دون الإفراط في تدليلهم، وتربيتهم على القيم والاعتماد على النفس، وإغداق الأطفال بالحبّ والصبر عليهم في التربية، والايمان بهم وبقدراتهم، ولعلّ ايمان الشيخ سعيفان وحبّه لماجد ورعايته الصالحة له، ساهمت في صقل شخصيّته وجعلته رجلا بكلّ ما تحمل هذه الكلمة من معنى.

وسوم: العدد 1078