الرّؤية التّفاؤليّة عند صباح بشير في "فرصة ثانية"

د. رباب سرحان

sfgfggsg1110.jpg

تدخل رواية "فرصة ثانية" للكاتبة صباح بشير في مضمار الرّواية الواقعيّة الاجتماعيّة. ومَن قرأ روايتها الأولى "رحلة إلى ذات امرأة"، يلاحظ بسهولة إصرار الكاتبة على التّشبّث بالاتّجاه الواقعيّ في الكتابة كاختيار تعبيريّ يتلاءم وتصوّراتها الإبداعيّة والفكريّة ويخدم هذه التّصوّرات.

في هذه الرّواية، تقدّم لنا الكاتبة نصًّا روائيًّا مميّزًا يحكي عن العلاقات الاجتماعيّة والإنسانيّة عبر شخصيّات واقعيّة، بل هي شخصيّات حقيقيّة موجودة خارج الكتاب، لفتت انتباه الكاتبة وسكنت ذاكرتها، فأرادت الكتابة عنها، ومشاركة ما تكتب مع القارئ.

توزّع الكاتبة شخصيّاتها على مشاهد متعدّدة في الرّواية بأسلوب سرديّ هادئ وسلس، يتميّز بالدّقّة في رسم تفاصيل الأحداث والمشاهد المرويّة لتنقل ملامح العالم الواقعيّ لهذه الشّخصيّات، وانعكاسات هذه الأحداث على مسارات حياتهم العمليّة والفكريّة والاجتماعيّة والعاطفيّة. فنراهم كما تقول الكاتبة: "يصارعون لإعادة بناء حياتهم بعد تجارب وخيبات الماضي، باحثين عن فرصة ثانية للتّغيير، وإعادة اكتشاف الذّات في رحلة وجوديّة تتقاطع فيها مسارات الحبّ والألم والأمل". (مقابلة مع الكاتبة)

تدور أحداث الرّواية حول ثلاثة أصدقاء: مصطفى، عبد الله وإبراهيم، يعيشون في مدينة حيفا. وتبدأ الرّواية بمشهد تفاؤليّ يتمثّل بولادة طفل جديد. ولكن، سرعان ما يتّجه المشهد نحو التّأزّم في موت الأمّ "فاتن". هذا الموت الذي كان وقعه صعبًا على الجميع: زوجها، والديها وأختها "هدى". ويظهر "مصطفى" الزّوج المحبّ والمخلص، وقد وقع عليه خبر موت زوجته كالصّاعقة: "انهار مصطفى تحت وطأة الخبر، فالصّدمة رجّت كلّ كيانه، وتحوّل جسده إلى كتلة من الجليد، أطبق عينيه، ليستردّ أنفاسه، وبدا كمن فقد القدرة على التّفكير أو الحركة أو الكلام" (ص 17). ففاتن لم تكن "مجرّد زوجة بالنّسبة له، بل كانت جزءًا من روحه" (ص 190)، إذ "كان يرى في عينيها النور، يستمدّ من ابتسامتها شمس يومه، ويجد في حضنها دفء الأمان". والكاتبة، حقيقة، تبدع في وصف حزن مصطفى ومدى معاناته لفقدان زوجته، وتنجح في جعل القارئ يتعاطف معه ويشاركه حزنه ويتألّم لألمه. ونراها تسهب في وصف تخوّفاته وتخبّطاته وصعوبة تكيّفه مع حياته الجديدة، وتشبّثه بذكرياته مع زوجته يناجيها ويسترجع أيّامهما السّعيدة. فقد كان "في كلّ زاوية يرى صورتها، وفي كلّ صوت يسمع صدى صوتها، وفي كلّ رائحة يشمّ عطرها، يزور قبرها كلّ يوم ]...[ ويخبرها كم يفتقدها ويشتاق إليها" (ص 28). ولم يخفّف مكان العمل واكتظاظه بالأشخاص، شعوره هذا بالألم والوحدة. وهنا تدخل شخصيّة "سناء" سكرتيرته التي تحاول استغلال هذا الظّرف والتقرّب منه، إلّا أنّه يرفض أن تخرج علاقتهما عن إطار العمل ويقاوم انجذابه لها حتى يضعف. ونجد الكاتبة تهتمّ أن توضّح أنّ ما دفعه إلى هذه العلاقة ليس الحبّ وإنّما الرّغبة، وهذه الرّغبة هي في الواقع رغبته بفاتن وافتقاده لها: " فما يجمعه معها ليس إلّا رغبة تشتعل وتخبو، كوهج النار يتراقص في الظلام، أمّا الحبّ فهو شيء آخر" (ص 79)، وأنّ هذه العلاقة لم تكن "إلّا ملاذًا من وحدته وبلسمًا يخفّف من آلامه. ففي عيني سناء، لم يجد سوى انعكاس لخيبة أمله، وصورة مشوّهة لفاتن وذكريات محطّمة" (ص 80).

اختار مصطفى اسم "يحيى" لمولوده ليحمل معنى الحياة والأمل، وكأنّه بذلك "يحيي ذكرى حبيبته ويخلّد حبّهما الأبديّ" (ص 26). ويرمز الطّفل المولود إلى الأمل في هذا الظّرف الصّعب. وكما يظهر في المشهد الأخير من الرّواية، يحيى هو الرّابط بين شخصيّات الرّواية والجامع بينها على مشاعر المحبّة والألفة والتّسامح. وقد أخذت "هدى"، أخت فاتن، عهدًا على نفسها أن تعتني به وتربّيه. وهدى، بصفة عامّة، هي الرّاوي العليم بكلّ شيء في الرّواية. فتاة لم تتجاوز التّاسعة عشرة من عمرها، تصفها الكاتبة بأنّها شابّه طيّبة، حنونة ولديها الكثير من الأحلام والطّموحات. هذا الوصف الذي يتعارض مع زواجها من مصطفى لاحقًا، وفي الوقت ذاته، يُبرز حجم التّضحية من قبلها من أجل مصلحة الطّفل المولود. ثمّ تسرد الكاتبة عبر صفحات كثيرة تخبّطات كلا الطّرفين إزاء هذا الزّواج، ومن ثمّ اقتناعهما، وكيف عاشا كصديقين/أخوين في بداية حياتهما الزّوجيّة، وصبر هدى على مصطفى، ومن ثمّ نقطة التّحوّل في العلاقة بينهما حين رآها مصطفى في الجامعة جالسة مع زميلها في الدّراسة، لتتّخذ الحياة الزّوجيّة بعد ذلك مسارها الطّبيعيّ. ويلاحظ القارئ أنّ الكاتبة، وعلى امتداد الرّواية، تهتمّ بإظهار هدى بصورة إيجابيّة وهي تلقي بظلال شخصيّتها الحنونة على الشّخصيّات المحيطة بها والمواقف والأحداث.

"عبد الله"، شقيق مصطفى، يسكن مع زوجته "لبنى" في الطّابق السّفليّ من البناية نفسها التي يسكن فيها مصطفى ووالدته. ينكشف القارئ على الأزمة الزّوجيّة التي يعاني منها عبد الله في المشهد الذي يعود فيه من عمله الى البيت ولا يجد طعامًا، بل نظرات لا مبالية من زوجته. وتظهر لبنى في الرّواية زوجة أنانيّة، مهملة لبيتها ولزوجها، تعامل زوجها بقسوة وجفاء، لا تخبره بوقت خروجها من البيت ولا بموعد عودتها. وفي المقابل، يظهر عبد الله الزّوج الصّبور، القادر على التحكّم بمشاعره وكتم غضبه، وهو متسامح و "طويل روح" إلى درجة تستفزّ القارئ. نراه يعتذر دائمًا بعد كلّ مشادّة كلاميّة بينهما لأنّه "يدرك أنّ النّقاش معها أشبه بمعركة خاسرة، فطبعها الجدل حتى تخرج منتصرة... يختار الصّمت كسلاح أخير يخمد به نيران الجدل، ويحافظ على ما تبقّى من دفء العلاقة" (ص 93). ولعلّ المشهد الذي ترسمه الكاتبة وتُظهر فيه الاهتمامات المختلفة تمامًا لكلّ منهما ص 152، يجعل القارئ يقف على عمق الشّرخ في هذه العلاقة حيث لا تواصل بينهما ولا حوار بتاتًا. أمّا جملة لبنى: "لتفهم، أنا لا أحبّ الثوم، ولن أقوم بطهي أيّ أكلة لا تروق لي"، فتكشف للقارئ عن العقدة النّفسيّة التي تعاني منها الشّخصيّة، وفي الوقت ذاته، عن قدرة الكاتبة على إحداث هذا التّداخل بين الاجتماعيّ والنّفسيّ بمهارة ووعي. فهذه الإجابة تختزن بين طيّاتها مشاعر متراكمة من القهر والكبت والغضب. وبالتّالي، تحمل دلالات أعمق وأقسى ممّا تظهر عليه من بساطة وعاديّة. فلبنى عمليًّا تقول: لن أقوم بفعل ما لا أريد وما لا أرغب! ولن يُجبرني أحد على ذلك! وهذا ما يتأكّد للقارئ بعد معرفته أنّ زواجها من عبد الله كان ملاذًا لها من القيود الصّارمة التي يفرضها والداها، وأنّ تصرّفاتها وسلوكها هذا تجاه زوجها قد دفعها إليه الخوف من فقدان ما تملك من حريّة في حياتها الزّوجيّة والعودة إلى حياتها الكئيبة السّابقة.

الدكتور "إبراهيم"، الشّخصيّة الرّئيسيّة الثّالثة، طبيب أسنان يسكن في مدينة حيفا. تخبرنا الكاتبة بأنّه تزوّج مرّتين وفشل وأثّر ذلك على نفسيّته، خلافًا لما يتظاهر به أمام أصدقائه ومرضاه من روح الفكاهة والمرح. فهو في قرارة نفسه، يحارب شعورًا داخليًّا بالفراغ والوحدة ويشعر بالخوف من تكرار تجربة الزّواج، وبات مقتنعًا أنّ السّعادة لا تأتي من الزّواج فقط، بل من الإيمان بالنّفس والعمل المخلص ومساعدة الآخرين. وأصبح يرى أنّ العلاقات بين الرّجال والنّساء قائمة على المصالح والاحتياجات، وأنّ الحبّ الحقيقيّ خرافة لا وجود له في الواقع. فالزّواج بحسب رأيه "قفص ذهبيّ، يحبس فيه الرّجل حرّيّته، ويقيّد مشاعره وأحلامه" (ص 59). والحبّ في نظره هو "وهم سراب، ينبعث من ينابيع الأمل المتدفّقة، لكنّه سرعان ما ينضب، مبقيًا وراءه واقعًا مرًّا من الخيبة والألم" (ص 59). ولأنّ الكاتبة ترفض اتّخاذ مثل هذه المواقف لمجرّد فشل في علاقة أو أكثر، ولأنّها تؤمن بفتح أبواب القلب وإتاحة الفرص الثّانية، نراها توظّف شخصيّة "نهاية" التي تعاني، كما تصفها، من وحدة امرأة مستقلّة. تسكن في البناية نفسها التي يسكنها إبراهيم، وتتطوّر صداقة بين الاثنين خلال التقائهما في مصعد البناية. ويبدو أنّ نهاية أبدت تودّدًا له خلال هذه اللّقاءات، الأمر الذي يُفسّر شعوره بالرّاحة التامّة في أن يطرق باب بيتها لاحقًا، فتتحوّل الصّداقة بينهما إلى حبّ، وتطلب نهاية منه الزّواج ويرفض، فتتركه ليعود وحيدًا ضائعًا وتائهًا، حتى يقرّر أخيرًا "أن يفتح أبواب القلب والعقل معًا، وأن يواجه الحياة بكلّ ما فيها من تحدّيات وفرص، وينطلق نحو حبيبته نهاية" (ص 151).

تتمكّن الكاتبة عبر هذا الطّرح، من أن تجذب انتباه القارئ إلى واقع العمل الرّوائيّ في سياقه الخاصّ، بينما تكشف في الوقت ذاته عن أغوار الشّخصيّة الرّوائيّة وأزماتها الحياتيّة أو نجاحاتها في تخطّي المآزق والخيبات التي تتعرّض لها. كذلك، فإنّ المشاهد اليوميّة التي تصوّرها الكاتبة في حياة شخصيّات روايتها، تثبت أنّها تمتلك قدرة مميّزة تمكّنها من أن تطلّ على المشهد الحياتيّ اليوميّ كي ترصده إبداعيًّا بكلّ ما يحتويه من نوازع وتجارب متنوّعة. كذلك، برأينا، أنّ أكثر ما يشدّ القارئ إلى الرّواية هو هذه الصّراحة المطلقة التي نلمسها في تصوير الشّخصيّات ومواقفهم في الماضي والحاضر، والجرأة في عرض سلوكهم وأفكارهم، والتّعبير بصدق عن قلق الشّخصيّة وعدم استقرارها النّفسيّ والاجتماعيّ. بالإضافة إلى المصداقيّة في العمل والتي تنبع من العلاقة القويّة بين صباح بشير ونصّها. فكثيرًا ما تتحدّث الشّخصيّات بلغة الكاتبة وتنقل أفكارها وآراءها التي هي غالبًا الرّسائل والقيم والنّصائح التي تبثّها الرّواية مثل: لا يمكن للإنسان أن يقرّر أنّه لن يحبّ مرّة أخرى. لا تحكم على نفسك بالوحدة، أبق الأبواب مفتوحة "ففي كلّ قلب مغلق، هناك مساحة واسعة للحبّ، تنتظر فقط مَن يفتح لها الباب لاستقبال الفرص" (ص 258)، "من واجبنا الاستماع إلى وجهات نظر كلا الطّرفين ]...[ الحوار البنّاء هو السّبيل الوحيد لفهم الحقيقة وإيجاد حلّ للمشكلة" (ص 249)، وجوب عدم التسرّع في اتّخاذ قرار الطّلاق وضرورة إعادة النّظر فيه: "الحياة الزوجيّة مليئة بالتحدّيات، لكن.. بالحبّ والصّبر يمكن التغلّب على أي عقبة" (ص 251)، " الحبّ الحقيقيّ مواقف ثابتة تبرهن على الاهتمام بسعادة الشريك واحتياجاته. الزواج ليس مجرّد عقد قانونيّ، بل هو شراكة مقدّسة تُبنى على أسس راسخة من التضحية والإخلاص والتفاهم والاحترام والثقة" (ص 208). "تذكّري يا هدى أنّ الكلمة الناعمة تلامس القلوب قبل الآذان، وأنّ رقّة الأسلوب تذيب أشدّ القلوب قسوة. فكوني كالفراشة الرقيقة التي ترفرف بأجنحتها الجميلة، تاركة وراءها أثرًا من سحر وبهاء" (ص 199). كذلك، كلّ هذا التّركيز على مسألة الأمومة نابع من داخل صباح، من شخصها. تقول: "في الحقيقة، كلّ أم هي عالم خاصّ بحدّ ذاته، لها رائحة فريدة تعبّر عن شخصيّتها وحنانها وحبّها، تعيش في ذاكرة أطفالها للأبد. تلك الرّائحة ليست مجرّد شعور حسيّ فحسب، بل هي لغة تخاطب الرّوح والقلب، تعبّر عن مشاعر لا تُقال بالكلمات، لغة الحبّ والحنان والتّضحية التي تلامس أرقّ المشاعر الإنسانيّة" (ص 50). صباح بشير في الحقيقة أمّ حنون وكلامها صادق ونابع من شعورها العميق بالأمومة نحو بناتها.

لا بدّ أن يلاحظ القارئ أيضًا، أنّ المرأة تلعب في الرّواية دورًا حيويًّا وهامًّا، وذلك من خلال موقعها الفعليّ في واقع الرّواية المعيش، سواء أكانت أمًّا أو أختًا أو زوجة. فبصفة عامّة، تمّ النّظر الى المرأة في الرّواية على أنّها جزء مُتمِّم للحياة ومبعث للاستقرار والاستمرار. كما تمثّل في دور هدى ونهاية ولبنى، ووالدة مصطفى ودورها الهامّ في إقناعه بالزّواج من هدى ودفع أحداث الرّواية إلى الأمام في سياقها الإيجابيّ.

نقاط في الرّواية لا بدّ من الإشارة إليها:

كذلك، نجد الكاتبة تفتتح كلّ صباح بتفاؤل حتى لو كانت شخصيّات المشهد تشعر بالحزن والكآبة: "يطلّ الصباح بنوره الذهبيّ مخترقًا العتمة" (ص 40)، "تطلّ شمس الصباح على المعرض، حاملة معها نسائم جديدة من التحدّيات" (ص 45)، "تشرق الشمس دافئة على منزل والدي هدى" (ص 60)، "تسطع الشمس وتعانق شرفة بيت عبد الله ولبنى" (ص 91). وكأنّ الكاتبة تبحث عن نور الأمل وسط الظّلام وتصرّ على ضرورة إبراز الجانب المشرق للحياة.

تطرح الرّواية كذلك أسئلة جادّة عن مسائل وظواهر اجتماعيّة على نحو يستفزّ القارئ ويدفعه إلى أن يفكّر في تلك الأسئلة، فيرى هذه المسائل بنظرة جديدة أعمق وبفهم أفضل. مثل: "هل يستحق الزواج الحفاظ عليه، إن لم يجلب لنا السعادة التي نستحقّها؟" (ص 203)، "ألا يُفترض أن يكون الزواج ملجأ للحبّ والحنان، وملاذًا من قسوة الحياة وضغوطاتها؟" (ص 157). كذلك، مسألة فارق العمر الكبير بين الزّوجين: مع/ضدّ؟ مسألة الزّواج بالإقناع وإلحاح الأهل والحديث كلّ الوقت عن وجوب التّضحية من أجل يحيى. وماذا مع تضحية هدى؟ مصطفى يكبرها بخمسة عشر عامًا، كان متزوّجًا، وهو سيعيش مع شابّة صغيرة جميلة وحنونة على ابنه. وهل يتوجّب على المرأة أن تكون هي المضحّيّة الأكبر في هذه المسألة؟

نقاط هامّة أخرى طرحتها الرّواية:

وبعد،

تَعتبر الكاتبة صباح بشير الرّواية عالمها الخاصّ حيث تطلق العنان لخيالها، وتخلق الشخوص وتبني عوالم جديدة، وتعيش مع أبطالها مغامراتهم. تقول: "إنّها الفضاء الذي أمارس فيه حريّتي في التّعبير بلا قيود، ألامس فيه أعمق مشاعر الإنسان". وهي تدرك جيّدًا أنّ الطريق طويلة لامتلاك معرفة عميقة بأصول الفنّ الرّوائيّ وأسرار الإبداع الأدبيّ. وعليه، فإنّ خلاصة العطر عند صباح بشير، في روايتها هذه، لم نرها بعد. علمًا أنّ تطوّرًا كبيرًا شهدناه في هذه الرّواية مقارنة بروايتها الأولى. وهذا ما يثبت أنّ الكاتبة تشتغل على رؤيتها الإبداعيّة وتطوير أدواتها بما يتناسب وتطوّر الحركة الإبداعيّة الرّوائيّة. فبغضّ النّظر عن بعض الهنّات التي قد يجدها القارئ هنا وهناك، فإنّ رواية "فرصة ثانية" قويّة بمبناها الفنيّ المتماسك وبلغتها الشّاعريّة الجميلة، وبجعلنا نرقب حركة شخصيّاتها ونتعرّف إلى أعماق النّفس الإنسانيّة ونزعات الفرد وصراع الرّغبات والأفكار، ممّا يجعل من هذه الرّواية عملًا إبداعيًّا هامًّا لا يقتصر تأثيره في القارئ ومخاطبته إيّاه على المسائل المطروحة بين صفحاته فحسب، وإنّما ينطلق به إلى قضايا اجتماعيّة وإنسانيّة أخرى، ويحثّنا على تأمّل الواقع المعيش والإفادة من تجارب الماضي، وطرح الأسئلة الموجعة ومواجهة أنفسنا بها وضرورة التّقدّم إلى الأمام وفتح نوافذ الأمل وإتاحة الفرص الثّانية. هذه الرّواية، بطرحها الاجتماعيّ والإنسانيّ، تدعو الى المحبّة والتّسامح والتّصالح مع النّفس والتآلف مع الآخر. وهي، بدون شكّ، تترك القارئ في حالة لم يكن عليها قبل فعل القراءة. تتركه وقد تملّكه شعور بالتّفاؤل والسّعادة والأمل والرّغبة في الحياة. وهذه المشاعر الجميلة، وهذا الأثر الإيجابيّ القويّ والعميق الذي تتركه فينا الرّواية، يُحسب للكاتبة ويجعلنا مدينين لها بكلّ هذا الجمال.

وسوم: العدد 1110