نصيحة هيكل التي أهملتها منظمة التحرير الفلسطينية

أثناء مفاوضات أوسلو في 1993 بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية ؛ استدعت القيادة الفلسطينية إلى مقرها في تونس الأستاذين محمد حسنين هيكل وأحمد بهاء الدين _ رحمهما الله _ لاستشارتهما في القضايا التي تتناولها المفاوضات ، وكان مما سمعته من هيكل نصيحته لها بأن المفاوضات إن لم تتمخض عن دولة فلسطينية كاملة السيادة في الضفة وغزة فستكون دماء الانتفاضة الأولى وتضحياتها الكبيرة قد ذهبت هدرا بلا قيمة . ما قاله هيكل كان رؤية أمينة محددة تعرف عظم الثمن الذي قدمه الشعب في غزة والضفة في تلك الانتفاضة ، وتعرف أن مصائر الأوطان والشعوب ترفض التساهل والتنازل ، وتعرف حقيقة نوايا إسرائيل في المفاوضات تأسيسا على معرفة هيكل العميقة لأهداف المشروع الصهيوني في المنطقة العربية . ولم تعمل المنظمة بنصيحته لانعدام شروط العمل بها فيها وفي عناصرها المفاوضة . ويكبر انعدام هذه الشروط خطورة بموازنته بالشروط المتوفرة في الطرف الإسرائيلي الذي يعرف ما يريد معرفة دقيقة محددة ، ويملك أدوات تحقيقه ، ويعرف نوعية الطرف الفلسطيني الذي يفاوضه وظروفه . وكان طرفا ضعيفا يائسا ، لم يحسن قراءة  الزلزلة التي أحدثتها الانتفاضة في المجتمع الإسرائيلي ، ودفعته لإعادة النظر فيما كان يراه مسلمات لا نظر فيها . ولضعف الطرف الفلسطيني ممثلا في منظمة التحرير فإنه رأى في كل قشة نجاة ، وفي كل  سراب غدير ماء بعد أن أقصي من لبنان ، ونبذ من دول الخليج لموقفه الذي أيد  غزو العراق للكويت ، وصار وجوده في تونس مهددا ، واشتد إفلاسه المالي .  ومجمل هذه الحالة الهائلة التردي والانهيار جعله يرى في مفاوضة إسرائيل له نصرا كبيرا ، وأعمته تلك الرؤية الضالة عن إدراك كارثة أن إسرائيل لم تقدم معادلا لاعترافه بها إلا اعترافها بتمثيل المنظمة للشعب الفلسطيني ، ما عنى أنها لم تعترف له بحقوق مقابل حقوق ، مع إيماننا الكامل الراسخ بأنها لا حقوق ولا حق لها في فلسطين . كانوا من لحظة اختلاق دولتهم في فلسطين في 15 مايو / أيار 1948يتحرقون لتوقيع فلسطيني يقر بمشروعية تلك الدولة ، وخطفوا هذا التوقيع في أوسلو دون معادل مادي قانوني ملزم يحدد أي قدر من الحق الفلسطيني ، وكل ما أقروا به أن الضفة وغزة موضع تنازع مع الفلسطينيين .  وبعبارة هيكل الجامعة المانعة  بعد الاتفاق فإن إسرائيل تخلت فيه فقط عما لا تريده ، وهو سكان الضفة وغزة ومشكلاتهم . وها نحن ، وها كل المصير الفلسطيني ما خلا نفذات تحدثها المقاومة بين حين وآخر ، أحدثها انتفاضة الأفراد الحالية أو ما سمي انتفاضة القدس ؛ في دائرة منغلقة المحيط ، وكل ما تحلم به السلطة أن تفاوضها إسرائيل ، وكلما سمعت باقتراح مفاوضات من أي دولة مهما صغر وزنها تسرع إليها مستفهمة عن تفاصيل الاقتراح ، وتنفجر تصريحات مسئولي السلطة وتسيل أحاديث إعلامييها ومقالاتهم عن محاسن ومآخذ الاقتراح واحتمالات نجاحه أو فشله ، وإسرائيل  تكرر بدهاء استعدادها للتفاوض دون شروط ، وترفض في نفس الوقت أي اقتراح مهما كان مجحفا في حق الفلسطينيين . ولم يستثنِ أبو مازن في رحلته الآسيوية الأخيرة حتى تايلاند من دعوتها للسعي لإحداث مفاوضات مع إسرائيل ! حتى تايلاند يستعان بها في حلحلة عقدة التفاوض مع إسرائيل ؟! ماذا يهم تايلاند في كل المسألة ؟! وما وزنها في السياسة الدولية ؟! تايلاند لا علاقة لها بالمنطقة سوى كونها منتجعا سياحيا أثيرا للإسرائيليين ، ووجود بعض عمال لها في إسرائيل ، لكن ماذا يفعل من لا سلاح له سوى المفاوضات مع من لا يجد ما يمكن التفاوض عليه ؟! وينصرف لتهويد الأرض الفلسطينية بزراعتها بالمستوطنات ، وقتل الفلسطينيين واعتقالهم وهدم بيوتهم . حدد يوما بن جوريون أهم ستة أشخاص أسهموا في تنفيذ الفكرة الصهيونية في فلسطين ، ومنهم تشارلز نيتر لإنشائه أول مدرسة زراعية يهودية في فلسطين في 1870، وإدموند دي روتشيلد لتمويله أول مستعمرة زراعية يهودية في آخر القرن التاسع عشر وأول القرن العشرين ، وجوشوا ستابر ، وديفيد جوتمان ، وموسى سولومون الذين أنشأوا بتاح تيكفا ( مفتاح الأمل ) أول قرية يهودية في فلسطين في 1878 . وتحديد بن جوريون يسهل فهم ما تفعله إسرائيل في الوقت الذي تترجاها السلطة  فيه الشروع في المفاوضات . لا يعنيهم إلا ما يسمونه خلق الوقائع والحقائق . سئل هيكل بعد اتفاق أوسلو بسنوات ؛ في إحدى  حلقات " مع هيكل " التي بثتها " الجزيرة " القطرية  عن حال القضية الفلسطينية ، فأجاب إنها بقايا قضية . هيكل _ رحمه الله _ يحب الشعر ، ويحفظ منه الكثير ، وهو في هذا امتداد لجيل من الكتاب العرب أهل الثقافة الأدبية أيا كان مجال كتابتهم ، ولا أدري إن كان خطر له وهو يرى ما آلت إليه القضية الفلسطينية من تردٍ كارثي بعد أن أهمل الطرف الفلسطيني نصيحته ؛ قول دريد بن الصمة الشاعر الجاهلي : أمرتهم أمري بمنعطف اللوى * فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد . ويبدو أن منظمة التحرير الفلسطينية لم تستبن نصحه بعد  23عاما من سماعه . 

وسوم: العدد 657