قصص قصيرة جدا 12
(1 )
الموسيقي النابغة
احتشد مشاهير الموسيقيين يوما في مجلس الإمبراطور أكبر للتنافس في مسابقة يفوز فيها من يوفق إلى إثارة ثور ! فعزفوا واحدا بعد الآخر موسيقا علوية النغمات رائعة دون أن يوفق أي منهم لإثارة الثور . وارتقى بربال خشبة المسرح ، وعزف موسيقا تشبه زنين البعوض وخوار البقر ، ولذهول المتسابقين أثارت موسيقاه الثور ؛ إذ أخذ يتحرك حركات نشطة حافلة بالحيوية ، وانتهت المسابقة بأن أعلن أكبر فوز بربال فيها .
(2 )
صانع السهام والدروع
قدم مجلسَ أكبر رجلٌ مشهور بصناعة السهام والدروع ، وقال : يا صاحب المعالي ! ما من إنسان قادر على صناعة سهام ودروع تضاهي السهام والدروع التي أصنعها . دروعي من القوة حتى إن أي شيء لا يمكنه النفاذ منها ، وسهامي حادة حتى إنها لا تعجز عن النفاذ من أي جسم .
فقال بربال مفاجئا له : مؤكد أنني قادر على بيان خطئك .
فرد الرجل : مستحيل .
فقال بربال مبتسما : ارفع أحد دروعك ، وسأخترقه بأحد سهامك !
(3)
كل من عليها فانٍ
ولي الإمبراطور أكبر العرش في الثالثة عشرة ، واستطاع في السنين التالية من حكمه أن يبني أعظم إمبراطورية في زمانه ، وعاش في دنيا خيالية من الفخامة ، وكنف نفسه بحاشية وافقته على كل ما قال ، وتملقته وعاملته كأنه _ والعياذ بالله _ إله ، ومن ثم فلا عجب أنه بدا أحيانا أحمق ، وتصرف كأن العالم ملكه الخاص . وفي يوم عزم بربال على وقفه عند حده ، ودفعه للتفكر في حقيقة الدنيا . ولاحظ الإمبراطور أمسية ذاك اليوم حين كان في سبيله إلى قصره ؛ حكيما تقيا راقدا في قلب حديقة القصر ، فكذب عينيه ! حكيم تقي ، غريب ، بالي الثياب في قلب حديقة قصره ؟! كيف حدث هذا ؟! يجب معاقبة الحرس عليه . ذلك ما فكر فيه الإمبراطور غاضبا غضبا عارما وهو يتجه إلى الحكيم ، ويخزه بطرف حذائه المطرز ،
ويصيح به : يا رجل ! ماذا تفعل هنا ؟! قم وانصرف فورا !
وفتح الحكيم عينيه ، وجلس متأنيا ، وقال في صوت يغالبه النعاس : أهذه حديقتك يا صاحب المعالي ؟!
فصاح الإمبراطور ثانية : أجل . هذه الحديقة ، وشجيرات الورد ، والنافورة الماثلة هنالك ، والفناء ، والقصر ، والقلعة ، وهذه الإمبراطورية ، كلها لي .
وقام الحكيم متأنيا ، وسأل : والنهر يا صاحب المعالي ؟! والمدينة ؟! والريف ؟!
فأجاب الإمبراطور : أجل ، أجل ، كلها لي . انصرف من هنا !
فقال الحكيم : آه ! يا صاحب المعالي ! ولمن كانت الحديقة والقلعة والمدينة قبلك ؟!
فقال الإمبراطور : طبعا لأبي .
ورغم ما انتابه من ضيق إلا أنه أخذ يحس الاهتمام بأسئلة الحكيم ؛ لأنه كان مولعا بالمحاورات الفلسفية ، ويمكنه أن يحكم الآن من أسلوب كلام الحكيم أنه إنسان عليم .
سأله الحكيم هادئا : من كان هنا قبل أبيك ؟!
_ أبوه ، جدي ، مثلما تعلم .
فقال الحكيم : آه ! إذن هذه الحديقة ، وشجيرات الورد ، والقصر ، والقلعة لن تكون لك إلا ما دمت حيا ، وقبلك كانت لأبيك ، كلامي صحيح ؟! وبعدك ستؤول لابنك ، ثم لابن ابنك .
فرد الإمبراطور متعجبا : أجل .
_ إذن كل إنسان يلبث هنا حينا ، ثم يمضي في سبيله ؟!
_ أجل .
فقال الحكيم : يعني الدنيا بيت عبادة ، ولا أحد يملك بيت العبادة ، أو ظل شجرة جنب الطريق ، نتوقف لنستريح فيه وقتا قصيرا ، ثم نمضي . ودائما كان هناك ناس قبلنا ، ودائما سيأتي ناس بعدنا ، أليس كذلك ؟!
فأجابه الإمبراطور أكبر هادئا : بلى .
_ إذن حديقتك ، وقصرك ، وقلعتك ، وإمبراطوريتك ... كلها أماكن تلبث فيها بعض الوقت ، إبان حياتك ، ولن تكون لك بعد مماتك . ستموت وتخلفها لشخص آخر مثلما فعل أبوك وجدك قبل أبيك .
فأومأ أكبر موافقا ، وقال متأنيا ، مفكرا تفكيرا جادا : ما الدنيا إلا بيت عبادة نلبث نحن _ الفانين _ فيه حينا . هذا ما تقوله لي ، أليس كذلك ؟! لن يملك أحد شيئا على هذه الأرض . كل إنسان إنْ هو إلا عابر سبيل في هذه الأرض ، مآله الموت يوما ؟!
فأومأ الحكيم موافقا في وقار ، وانحنى أرضا ، وخلع لحيته البيضاء وعمامته الزعفرانية اللون ، وتبدلت نبرة صوته ، وقال بصوته المعتاد : مغفرة يا صاحب المعالي ! ذلك كان أسلوبي لدفعك للتفكر في ...
فصاح الإمبراطور : بربال ! بربال ! لأنت أحكم من أي حكيم . تعال ، تعال الآن إلى المجلس ، ودعنا نوسع هذه المسألة درسا ! حتى الأباطرة ما هم إلا عابرو سبيل في هذه الدنيا ، هذا واضح .
*موقع " قصص قصيرة جدا " الإنجليزي .
وسوم: العدد 752