غاز غزة
د. أنس بن فيصل الحجي
أكاديمي وخبير في شؤون النفط
نشرت الجريدة الهندية "تايمز أوف إنديا" مقالا في الأسبوع الماضي أشار إلى أن هناك سببين رئيسين للهجوم الإسرائيلي على غزة، الأول هو احتياطيات الغاز الموجودة في المياه الغزاوية، والثاني هو الانتخابات الإسرائيلية. ويشير المقال إلى أن أول ما فعلته حماس عندما فازت بالانتخابات الفلسطينية هو المطالبة بإعادة التفاوض حول عقد الغاز لكي يحصل الفلسطينيون على نصيبهم العادل من إيرادات الغاز. وأثناء كتابة هذا المقال نشر مركز بحوث العولمة الكندي مقالا للباحث ميشيل شوسودوفسكي أشار فيه إلى أن هدف إسرائيل احتلال غزة وإجبار الفلسطينيين على مباحثات جديدة تتم من خلالها إضافة المياه الإقليمية التابعة لغزة إلى إسرائيل، وبالتالي السيطرة على احتياطيات الغاز. باختصار، كلا المقالين يرى أن الغاز هو سبب الاجتياح.
خلفية عن حقل الغاز
قامت شركة الغاز البريطانية بالشراكة مع بعض المستثمرين العرب، بالحصول على امتياز للتنقيب في المياه الإقليمية لغزة عام 1999. وتم اكتشاف الغاز عام 2000 بعد حفر بئرين, حيث قدرت احتياطيات الغاز بأكثر من تريليون قدم مكعبة. بعد فوز إرييل شارون في الانتخابات عام 2001 صرح بأن إسرائيل لن تستورد الغاز من الفلسطينيين بحجة أن المياه التي تقع احتياطيات الغاز تحتها تابعة لإسرائيل، وتم رفع الأمر إلى المحكمة العليا بحجة أن الاتفاقيات مع الفلسطينيين تشمل اليابسة فقط ولا تشمل المياه الإقليمية. بعد هذا الرفض الإسرائيلي قامت شركة الغاز البريطانية بالتفاوض مع مصر لتصدير الغاز إليها أو عن طريقها. ولكن الأمور تغيرت عام 2006 عندما تدخل رئيس الوزراء البريطاني آنذاك توني بلير وأقنع شركة الغاز البريطانية بتصدير الغاز إلى إسرائيل بدلا من مصر. ووافق مجلس الوزراء الإسرائيلي في ربيع 2007 على استيراد الغاز من غزة وأن يتم توقيع عقد مع شركة الغاز البريطانية بمقدار أربعة مليارات دولار، منها مليار دولار إلى السلطة الفلسطينية. ونص القرار على أن مدة العقد 15 سنة، يتم فيها استيراد كميات من الغاز تمثل نحو 10 في المائة من استهلاك الطاقة في إسرائيل. إلا أن هذا القرار أغضب كثيرا من الإسرائيليين الذين يرون أن الفلسطينيين لاحق لهم في هذا الحقل، وشدد مسؤولون إسرائيليون على ألا تدفع إسرائيل المبلغ نقدا للسلطة الفلسطينية، بل عينا عن طريق بيع إسرائيل مواد وسلعا للفلسطينيين بقيمة المبلغ، وألا تصل أي أموال لحكومة حماس بحجة أن هذه الأموال تموّل الإرهاب. وكانت هناك معارضة كبيرة للقرار، الأمر الذي أدى إلى انسحاب شركة الغاز البريطانية من المباحثات مع إسرائيل، وفتح مباحثات جديدة مع مصر.
التعليق
يبدو أن سبب نشر المقالين المتعلقين بغاز غزة هو تزامن الإعداد لاحتلال غزة مع القرار الحكومي بإجراء مباحثات إسرائيلية جديدة مع شركة الغاز البريطانية, حيث ذكر شوسودوفسكي أن التحضير لاجتياح غزة بدأ منذ ستة أشهر، في الفترة نفسها التي قررت فيها الحكومة الإسرائيلية فتح محادثات مباشرة مع شركة الغاز البريطانية لإحياء المشروع. واستنتج الكاتب، بناء على أن المفاوضات مباشرة بين إسرائيل والشركة دون استشارة الفلسطينيين، أن الهدف من الاجتياح هو إعادة رسم خريطة المنطقة بحيث تسيطر إسرائيل على مياه غزة نهائياً، وبالتالي سيطرتها على احتياطيات الغاز. ولكنه من غير الواضح حتى الآن مدى ارتباط سياسة الطاقة الإسرائيلية باجتياح غزة، خاصة أن إسرائيل أرسلت وفداً في الفترة نفسها إلى هيوستن للتباحث مع شركات النفط والغاز في شأن استيراد الغاز المسال.
الأسئلة التي تطرح في هذا السياق هي: هل الغاز هو الهدف الأساس للاحتلال، أم أنه أحد الأهداف؟ هل الغاز أحد الأهداف، أم أنه ليس هدفاً، ولكن إذا حققته إسرائيل فإنه يعد أحد الأرباح الجانبية للاحتلال؟ وإذا كان الغاز هو الهدف، أو أحد الأهداف، هل الهدف يتبع سياسات الطاقة الإسرائيلية للحصول على إمدادات مستمرة من الغاز، أم أن الهدف يتبع سياسات الدفاع والعلاقات الخارجية والاستراتيجية؟ إذا كان ما قاله شوسودوفسكي صحيحاً بأن هدف إسرائيل هو السيطرة على المياه الإقليمية لغزة، أيهما أهم لإسرائيل، الغاز، أم عزل غزة عن العالم تماما كما تم عزل الضفة الغربية؟
الأسئلة كثيرة، والأجوبة أكثر، وهناك آراء متعددة. إلا أنه من الصعب قبول الرأي القائل إن السبب الرئيس هو الغاز لإرواء عطش إسرائيل للغاز. إن هدف الاجتياح هو إزاحة حكومة حماس من الصورة تماما وإنهاكها بشكل لا يمكنها من أن تشكل فيه خطرا على إسرائيل ومن يواليها، على الأقل في المستقبل المنظور. إزاحة حماس تحقق عدة أهداف لإسرائيل ومن والاها، منها يتعلق بموضوع الغاز، ولكن ليس بالطريقة التي ذهب إليها شوسودوفسكي.
لنعد قليلا إلى الوراء عندما احتلت الولايات المتحدة أفغانستان عام 2002. عندها نشرت وسائل الإعلام عدداً من المقالات والتقارير التي تشير إلى أن سبب الاحتلال هو أنبوب النفط الذي كان من المفروض أن تبنيه شركة أمريكية عبر أفغانستان، الذي كان محور مفاوضات بين حكومة طالبان والحكومة الأمريكية. رغم استمرار الوجود الأمريكي في أفغانستان، ورغم وجود حكومة "صناعة أمريكية"، إلا أن خط الأنابيب لم يُبْنَ حتى الآن، ولا يتوقع أن ينشأ على المدى القريب. بكل بساطة، هناك أمور أهم من النفط، وأهمية أفغانستان والشعب الأفغاني أكبر من أنبوب نفط أو أي احتياطيات نفطية فيها.
ثم احتلت الولايات المتحدة العراق، وذكر كثيرون من سياسيين ومفكرين وصحافيين وكتاب أن سبب الاحتلال هو النفط، ولكن حتى اليوم نجد أن أكبر عقد نفطي ذهب للصينيين، وعقود كردستان ذهبت لشركات خليجية وشركات أوروبية صغيرة، ولم يذهب أي عقد حتى الآن لشركات النفط الأمريكية الكبرى. إنتاج النفط العراقي لم يزدد بشكل ملموس إلا في الفترات الأخيرة، ولكنه إلى أقل من نصف ما كان متوقعا عند بداية الاحتلال!
إن الولايات المتحدة لم تحتل العراق لإرواء عطشها من النفط، ولم تحتل العراق لأن سياسة الطاقة فيها تتطلب السيطرة على النفط العراقي، بل على العكس، فإن سياسية الطاقة الأمريكية تدعو إلى تخفيف الاعتماد على النفط من الشرق الأوسط، وتنويع مصادر واردات النفط الأمريكية. كما تطورت الأمور في السنوات الأخيرة لدرجة أن السياسة الأمريكية الآن تدعو إلى إلغاء الاعتماد على النفط كله، بغض النظر عن مصدره.
قبل أن ينزعج بعض القراء مما ذكرته أعلاه، الرجاء قراءة الفقرة التالية بتمعن: إن سياسة "الطاقة" الأمريكية لا تتطلب السيطرة على النفط العراقي لإرواء عطش الولايات المتحدة للنفط، ولكن السياسة "الخارجية" الأمريكية تتطلب السيطرة على النفط العراقي لأسباب عدة منها أن النفط كان مصدر قوة عدو الولايات المتحدة، وهو في هذه الحالة الرئيس السابق صدام حسين، لذلك فإن إضعاف العدو يتطلب السيطرة على مصدر قوته. وبما أن النفط هو مصدر القوة في العراق، ومصدر التمويل، فإنه من المهم السيطرة عليه لدعم حكومة صديقة للولايات المتحدة. لذلك فإن النفط لم يكن هدف الاحتلال، ولكنه وسيلة لتحقيق أهداف الاحتلال. إن أهمية العراق والشعب العراقي أكبر من النفط، وتم احتلال العراق من قبل عدة قوى عالمية سابقا قبل اكتشاف النفط.
ما علاقة الأمر بغاز غزة؟ الفكرة نفسها تنطبق على غزة. إذا كان الغاز هو أحد الأهداف فإن إسرائيل ترغب في إزاحة حكومة حماس وإحلال حكومة أخرى محلها لأن عوائد الغاز ستقوي حماس، أو أي حكومة فلسطينية يمكن أن تشكل خطرا على إسرائيل. وإذا تم إمداد إسرائيل بهذا الغاز فإنها ترغب في وجود حكومة فلسطينية لا تقوم باستخدام هذا الغاز سلاحا أو وسيلة تهدد بها إسرائيل كلما حصل خلاف بينهما. خلاصة القول إنه حتى لو كان هدف إسرائيل هو السيطرة على غزة بطريقة أو بأخرى للحصول على الغاز، فإن الهدف استراتيجي وليس اقتصاديا، خاصة أن إسرائيل تستورد النفط من أقصى أصقاع الأرض، وبأسعار عالية جدا، مقابل أن تؤمن إمدادات دائمة دون توقف. إذا كان الغاز هو الهدف، فإن إسرائيل تحاول منع الغاز من أن يكون مصدر قوة لحماس كما كان النفط مصدر قوة للرئيس العراقي صدام حسين. إن أهمية غزة وأهل غزة أكبر من الغاز، ولنتذكر أن إسرائيل بنت دولتها في فلسطين في 1948، وليس فيها أي نفط.