وطنية مطرية الدقهلية

تقع شبه جزيرة المطرية في منتصف جنوب بحيرة المنزلة التي تقع بدورها في شمال شرق دلتا نهر النيل ويحدها شمالا البحر الأبيض المتوسط ومحافظة بورسعيد وجنوبا محافظتي الشرقية والدقهلية وشرقا قناة السويس وغربا محافظة دمياط ويعمل ما يزيد عن 90% من أهالي المطرية في مهنة صيد الأسماك وقد لعبت المطرية دورا بطوليا بارزا إبان الحملة الفرنسية على مصر حيث قام أهلها من الصيادين بالإنضمام إلى قوات المقاومة المصرية بقيادة زعيم الكفاح ضد الإستعمار في هذه المنطقة شيخ مشايخ أقليم المنزلة حسن طوبار الكبير وقد ذكر عبد الرحمن الرفاعي في تاريخه أن مدينة المنزلة تم إحتلالها في 1 أكتوبر عام 1798م حيث وصلت إليها كتيبة فرنسية بحثا عن حسن طوبار ورجاله إلا أنهم لم يجدوا في المدينة إلا الشيوخ والعجائز من النساء بعد ما أخلاها حسن طوبار ولكنها لم تسلم المنزلة من نهب الجنود الفرنسيين وعبثهم وقد قام نابليون بتكليف  الجنرال أندريوسي لتحسين مصب النيل والسيطرة على دمياط وإتخاذها موقعا حربيا وكذا دراسة بحيرة المنزلة لإستخدامها إستراتيجيا في عملياته العسكرية وهجومه على مصر وسوريا فمضى بأسطوله في البحيرة وأقلعت مراكبه من دمياط يوم 3 أكتوبر عام 1798 قبيل الفجر صوب المطرية وقطع الأسطول المسلح بالمدافع هذه المسافة في 8 ساعات ولكنه ذهل من هول ما رأى فقد فوجئ بأسطول بحري مكون من 100 مركب يخرج من خلف الجزر التي تحجبها بالقرب من المطرية وقد أقبل الصيادون من أهالي المطرية ومعهم أعوان حسن طوبار على ظهر هذه المراكب قاصدين أغراق المراكب والسفن الفرنسية وأطلقت المراكب المصرية النار على العدو الذي فر من الموت المحقق والهلاك على أيدي المصريين 

قامت المطرية بدور عظيم في حفر قناة السويس فقد بدأت عمليات تنفذ مشروع حفر قناة السويس في 25 أبريل عام 1859 وكانت منطقة بورسعيد أول بقعة بدأ فيها تنفيذه ولكن واجهت الشركة الأجنبية المشرفة على أعمال الحفر مشكلة خطيرة إذ كان آلاف العمال في بورسعيد قد تعرضوا لخطر الموت عطشا بسبب نفاد الماء وتأخرت وصول الامدادات فأخذت الشركة تنقل المياه من الاسكندرية في سفينة تسمى بورسعيد ومن دمياط علي الجمال إلا انها فشلت أيضا في حل المشكلة فأشار بعض المصرين المسؤلين بالشركة الاستعانة بصيادي المطرية في نقل مياه الشرب من المطرية إلى بورسعيد وبالفعل قامت مراكب وقوارب الصيد الخاصة بأهالي المطرية بنقل الماء إلى إخوانهم في بورسعيد خلال عامي 1859 و 1860 كما أقامت الشركة ثلاث مكثفات ببورسعيد لتحلية مياه البحر المالحة إلا أن هذه المكثفات كانت دائمة العطل وتتوقف عن العمل من حين لآخر مما أثار مشكلة أخرى فقد تعرض شعب بورسعيد لخطر الموت عطشا ولم تعد المشكلة تخص العمال وحدهم فلجأت الشركة إلى عقد اتفاق مع أحد كبار المصرييين المشتغلين بتجارة صيد الأسماك في بحيرة المنزلة وهو مصطفي عنانى والاتفاق كان يقضي بأن يمد الشركة بستة أمتار مكعبة من المياه العذبة يوميا ولم يدم هذا الاتفاق طويلا واعتمدت الشركة على وسائلها الخاصة في جلب ماء الشرب عبر بحيرة المنزلة وعقدت في شهر يونيو عام 1861 اتفاقا مع  محمد الجيار أحد كبار أصحاب السفن في بحيرة المنزلة ومن ذوي الموارد الضخمة لنقل مياه الشرب في براميل تعهدت الشركة بتقديمها إليه وقد استمر ذلك الاتفاق نافذا مع محمد الجيار حتى انتهت الشركة من مد خط أنابيب الماء من الاسماعيلية إلى بورسعيد في شهر أبريل عام 1864 وعلي الرغم من هذه التدابير فقد كان الماء في بورسعيد عزيزا صعب المنال وظل العمال هناك يعانون الكثير من ضروب الحرمان ويتعرضون للموت عطشا بسبب نفاذ الماء في المدينة وتأخر وصول مقادير منه إليه وفي عام 1907 تعرضت مدينة المطرية لحريق مدمر أتى على الأخضر واليابس وزارها الخديوي عباس الثاني وسار مشياَ على قدميه بين الأنقاض فطاف كل الأحياء التى دمرها الحريق وقدم مبلغ 500 جنيه لإعانة الفقراء المساكين وظلت المطرية تابعة لمركز دكرنس حتى عام 1929 م ثم تبعت مركز المنزلة حتى استقلت بذاتها كمدينة وخلال هذه الفترة تغيرت معالمها المعمارية والحضارية بشكل كبير وقد احتضنت المطرية السادات فعندما تعرضت القوات البريطانية لهزيمة نكراء في شهر مايو عام 1942 حيث هجمت عليها القوات الالمانية بقيادة روميل في طبرق حتى سقطت في 21 يونيو وأسر نحو 30 ألف مقاتل انجليزى ثم سقطت بعدها مرسى مطروح وتوالت انتصارات الألمان وفي هذا الوقت طلب الانجليز من الملك التخلص من بعض الضباط المصريين وتعللوا بانهم يشكلون خطرا على الملك والحكومة والانجليز أنفسهم وأنهم يقومون بدور خفى ونشاط دؤب لخدمة الجيش الالمانى وكراهية في بريطانيا وكان من هؤلاء الضباط اليوزباشى محمد أنور السادات وفي 8 أكتوبر 1942 طلب الانجليز مرة أخرى إبعاده عن الجيش لنشاطه الملحوظ ووعيه الوطنى والسياسى وبالفعل تم تنفيذ القرار الملكى الانجليزى بإبعاد السادات عن الجيش فكان أول ضابط يفصل من الجيش بدون محاكمة جدية وقد تم اعتقاله فور مغادرته المجلس العسكرى وأودعوه سجن الزيتون وهناك حدثت عدة مواقف تجلت فيها وطنيته ونبأت بميلاد زعيم وطنى كبير لقد رزق بمولودة وهو في المعتقل وعلم السادات أن زوجته في حالة صحية سيئة فاشتد حنينه لرؤية مولودته و زوجته فطلب من سجانه وكان ضابطا وطنيا شريفا وصديقا للسادات أن يغادر المعتقل بكلمة شرف لبضع ساعات ثم يعود وبعد تردد وافق الضابط ولكن ما جعله يزداد احتراما وتقديرا للسادات هو عودته إلى المعتقل بقدميه قبل الموعد الذى تم تحديده  وخلف القضبان الحديدية والأسوار الخرسانية وقرر السادات تشكيل سرى للمعتقلين السياسيين بقيادته لوضع خطة جماعية للهروب من المعتقل لتنفيذ سلسلة من العمليات الانتحارية ضد الأهداف الانجليزية في مدن القناة وغيرها وقد تعرض المعتقلون في هذه الفترة إلى التعذيب البدنى والنفسى من قبل الانجليز المحتلين وقد هرب السادات من المعقل رغم حراسته المشددة ليبدأ رحلة كفاح طويلة في سبيل الوطن ضد الاحتلال البغيض وكان هروبه بمساعدة التشكيل السرى للضباط والمعتقلين السياسيين بعد ما تم نقله الى مستشفى قصر العينى للعلاج وفي ذلك الوقت كان السادات متهما فى مقتل أمين عثمان فقرر الهروب إلى مكان أكثر أمانا وفي نفس الوقت أقرب إلى مدن القناة لتنفيذ الخطة السرية لمكافحة الاحتلال البريطانى في مصر وقام بتهريب السادات فنان الشعب زكريا الحجاوى إلى المطرية مسقط رأسه وموطن أسرته وعائلته وأصهاره وكان زكريا متعوداَ على استضافة أصدقائه من الفنانين والأدباء وغيرهم في مدينة المطرية لقضاء وقت ممتع في بحيرة المنزلة بين الصيادين والمراكب والشباك .

تواصل الدور الوطني للمطرية في رحلة الكفاح الوطنى وخلال الحروب المختلفة التى خاضتها مصر ضد اعدائها فقد كانت خط الدفاع الثانى بعد مدن القناة إبان العدوان الثلاثى الذي قامت به إنجلترا وفرنسا وإسرائيل على بورسعيد فقد تطوع آلاف الصيادين والشباب من أهالى المطرية لنجدة ذويهم وإخوانهم البورسعيدين وأنقاذ الأحياء منهم فكانت آلاف المراكب وقوارب الصيد ومراكب الرمل والمياه تنقل مئات الجرحى والمصابين لاسعافهم بالمطرية كما فتحت المطرية زراعيها للمهاجرين والنازحين من بورسعيد ومكن القناة فكان أهالى المطرية يقتسمون معهم الديار والأقوات والأعمال كما قامت المطرية بعمليات الامداد والتموين لأبطال المقاومة الشعبية و الفدائيين في بورسعيد عن طريق بحيرة المنزلة ويوم 24 ديسمبر عام 1961 استقبلت المطرية الزعيم جمال عبد الناصر وكان معه حسين الشافعى وكمال الدين حسين وعبد الحكيم عامر وصلاح سالم كما قامت المطرية وناسها بدور عظيم خلال معارك الاستنزاف واستطاع بعض الصيادين من أهالى المطرية أثناء عملهم بصيد الأسماك أن يقبضوا على أحد الطيارين الاسرائيلين ويدعو آلمينو آم كلداس حيث أطلقت النيران المصرية على طائرته فقذف نفسه من طائرته فقام صيادو البحيرة بإلقاء القبض عليه وسلموه لقوات السواحل المصرية التى قامت بتسليمه للقادة في القاهرة وعندما تولى السادات رئاسة الجمهورية خلفا للزعيم جمال عبد الناصر كان محبا للمطرية وناسها وقام بوضع حجر أساس ترعة السلام .

وسوم: العدد 1121