الطبيب الوطني الإنسان
الطب رسالة إنسانية في المقام الأول ولذا في عصر لهث فيه بعض الأطباء وراء جمع الأموال وفي ظل نار أسعار المستشفيات الخاصة وجب على رسالتي الأدبية والثقافية والوطنية أن أقدم أحد الأطباء وقد شرفت باللقاء معه مرات كثيرة قبل أن يرحل إلى دار الخلود أنه الطبيب الوطني الإنسان أحد أهم الجراحين الذين شاركوا في علاج المصابين ففي يوم الأربعاء 8 إبريل عام 1970 كان الدكتور الحسيني الوكيل في طريقه للقاهرة لتقديم تظلم لوقف قرار نقله من مستشفى الحسينية العام إلى مستشفى الزقازيق العام لقلة الأطباء بمستشفى الحسينية وقبل وصوله القاهرة سمع من راديو السيارة التي يستقلها نبأ قيام الطائرات الإسرائيلية بضرب مدرسة بحر البقر الابتدائية المشتركة بمركز الحسينية بمحافظة الشرقية فانتابه الحزن والغضب فقرر التوجه إلى مستشفى الحسينية مباشرة لشعوره أن هؤﻻء اﻷطفال بحاجة إلى وجوده معهم أكثر من غيره لمعرفته بكل كبيرة وصغيرة فى هذا المستشفى ولصلته الوثيقة بكل العاملين وكذلك لأن المستشفى كان به نقص فى أخصائيين الجراحة فنزل فى منيا القمح وركب اﻷتوبيس المتجه إلى الحسينية وعند وصوله رأى آﻻف من الرجال والنساء والأطفال داخل المستشفى والجميع فى حالة من الحزن الشديد والهلع والغضب يتصايحون ويتأوهون ويصرخون ويطالبون بالثأر ﻷبشع جريمة عرفتها البشرية حيث قامت الطائرات الحربية الإسرائيلية بضرب مدرسة لأطفال أبرياء عزل ذهبوا إلى مدرستهم متعطشين للمعرفة كالزهور المتفتحة للحياة
كل فرد أعتبر أن الضحايا أبناءه وأخوته وجاءت سيارات الإسعاف تحمل اﻷطفال الضحايا والمصابين وتسارع آﻻف تجاه السيارات وهم يصرخون .. يتاصيحون كل واحد يريد أن يفعل كل مايستطيع من أجل هؤﻻء أﻷبرياء وتم نقل الشهداء إلى المشرحة والمصابين إلى اﻷستقبال فقد كانت اﻷصابات خطيرة ومتنوعة .. جروح وشظايا فى كل مكان ونزيف بالمخ وكسور بالعظام وبجميع اﻷطراف ونزيف داخلى بالبطن وتهتك باﻷمعاء والكبد والطحال والكلى والمثانة
عندما تم خروج آخر طفل مصاب من المستشفى بعد حوالى 3 أسابيع تذكر الدكتور الحسيني الوكيل أنه على قوة مستشفى الزقازيق العام والذى انقطع عن العمل فيه طوال هذه المدة وﻻ يعلم أحد شيئا عن سبب غيابه فقام بتوزيع زملاءه والعاملين بمستشفى الحسينية وتوجه عائدا إلى مستشفى الزقازيق العام مقر عمله ومنه الموظف المختص من التوقيع وأخبره بتجاوزه مدة الانقطاع عن العمل وأنهم أرسلوا له انذارين بالفصل على بلدته وأنه محال للشئون القانونية ﻷتمام إجراءات فصله من الخدمة فانتاب الفزع الدكتور الحسيني الوكيل وتوجه إلى مديرية الصحة لمقابلة المدير العام الدكتور عبد الحى محمد عبد الله والذى رآى الدكتور الحسيني الوكيل كثيرا عند زياراته المتكررة لﻷطفال المصابين وعندما رآه تهلل وجهه مبتسما وقال للدكتور الحسيني الوكيل : إيه أخبار اﻷطفال ياحسينى ؟ فقال له : يا أفندم تم خروج آخر طفل مصاب اليوم ! فقال : الحمد لله أشكرك أنت وجميع الزملاءعلى ما بذلت من جهد مشرف معهم فقال الدكتور الحسيني الوكيل : يا أفندم ده واجب وطنى فقال : طيب ياحسينى أنت عايز حاجة من المديرية ؟ فقص له ما أخبره به الموظف فنظر له وقال : أنت بتشتغل فى الحسينية وﻻ الزقازيق ياحسيني ؟ فقال : يا أفندم أنا نقلت من الحسينية للترقية من حوالى شهر إلى الزقازيق وعندما علمت بالحادث قررت الذهاب إلى مستشفى الحسينية فورا لرعاية هؤﻻء أﻷطفال المصابين لشعورى بحاجتهم لوجودى معهم ﻷننى اعرف كل شىء بالمستشفى فقال له المدير العام الدكتور عبد الحى محمد عبد الله : ولم تخطر إدارة مستشفى الزقازيق بأى شئ ؟ فقال الدكتور الحسيني : ﻻ يافندم ؟ فابتسم الدكتور عبد الحي وقال : أنت بتشتغل فى عزبة ياحسينى ؟ أنت مش عارف إنك موظف حكومي والعمل الحكومى له نظامه ؟ فقال الدكتور الحسيني الوكيل : يا أفندم عندما علمت بالخبر نسيت كل شئ ولم يكن أمامي سوى التوجه فورا ﻷقوم برعاية هؤﻻء اﻷطفال المصابين اﻷبرياء! ابتسم المدير العام الدكتور عبد الحى محمد عبد الله ورفع سماعة التليفون وطلب مدير مستشفى الزقازيق وقال له : الدكتور الحسينى الوكيل يعود لعمله وأنا اللى أرسلته فى مهمة خاصة لمستشفى الحسينية طوال هذه المدة وسوف أرسل لك خطاب رسمى بذلك وألغي جميع اﻷجراءات ثم قال : أنا أشكرك ياحسينى على روحك الوطنية وقد قام وزير الصحة شخصيا بتكريم الدكتور الحسيني الوكيل وإبقائه فى مستشفى الحسينية العام
يذكر أن الدكتور الحسيني الوكيل بعد حصوله على شهادة الثانوية العامة بتفوق من مدرسة فاقوس الثانوية كان حلمه أن يصبح مهندس إلكترونيات ولكن والده عبد الرحمن يوسف عمدة القرية آنذاك وقف ضد حلمه وأصر أن يلتحق ابنه الحسينى بكلية الطب مبررا ذلك بأنه سيهبه لأهالى المنطقة الذين يعانون أشد المعاناة من الوصول إلى طبيب ليعالج مرضاهم ورغم أن هذا الاتجاه مغاير تماما لأحلام وطموحات الطبيب الإنسان إلا أنه رضخ لإرادة والده قائلا لزملائه : لابد إن أكون بارا بوالدى حتى أنال رضا الله التحق الحسيني بكلية الطب جامعة عين شمس وتخرج عام 1965 ليكون من الأطباء الأوائل والجراحين المهرة بمركز فاقوس وتم تعيينه بمحافظة البحر الأحمر وفي عام 1967 انتقل الدكتور الحسيني الوكيل إلى الوحدة الصحية بمنشأة أبو عمر بمحافظة الشرقية ثم انتقل إلى مستشفى الحسينية حتى عام 1970 وبعدها تمت ترقيته ونُقل إلى مستشفى الزقازيق الجامعي وعاد مرة أخرى إلى مستشفى الحسينية عام 1973 وظل به حتى عام 1982 ثم إنتقل إلى مستشفى فاقوس حيث الموطن الأصلي وأصبح مديرا للمستشفى وكان يستقبل المرضى من جميع قرى فاقوس وكان يحنوا عليهم بخلاف مرضى مركز الحسينية كان يقوم بالتكفل بعمليات الفقراء على نفقته الخاصة شاملة جميع المستلزمات الطبية والعلاج وكان يتفقد المرضى ويجالسهم وقام بإصلاح جميع الأجهزة التى تم تكهينها فقد استضاف مهندسا يابانيا بمنزله لإصلاح ماكينات الغسيل الكلوى بمستشفى فاقوس كما تبرع مع شخص بوحدة غسيل كلوى لمستشفى فانوس وأخرى لمستشفى أبو حماد
الدكتور الحسيني الوكيل طوال عمله نفذ وصية والده فى استقبال المرضى بكشف رمزى لا يساوى كشف الأطباء أقرانه وكان إذا شعر بأحد المرضى فقيرا كان يرد له قيمة الكشف وأحد الأطباء قام بالشكوى لوزارة الصحة بأن الطبيب الحسينى الوكيل يرخص قيمة الأطباء بتخفيض قيمة الكشف ولما مثل التحقيق أقنع المحققين إن والده وهبه للمسلمين والفقراء
عام 2001 أحيل الدكتور الوطني الإنسان الإنسان الحسيني الوكيل للمعاش وظل يستكمل مسيرة الخير ولم يزد كشفه عن 20 جنيها رغم أن كشف أقرانه في ذلك الوقت لا يقل عن 200 جنيه ويوم 7 فبراير عام 2021 م فاضت روحه إلى بارئها
وسوم: العدد 1119