من جوائز عبادتي الصيام والقيام استجابة الدعاء ( الحلقة الرابعة والأخيرة )
أحاديث رمضان :
ليس من قبيل الصدفة أن يعقب مباشرة بعد الآية الخامسة والثمانين من سورة البقرة التي تعبد فيها الله تعالى عباده المؤمنين بعبادة الصيام قوله تعالى في الآية التي تليها ، وهما متعاطفتان : (( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون )) ،وإنما ذلك لبيان ما أعد لهم من جوائز ثمينة ،وعلى رأسها جائزة استجابة دعائهم .
ولقد جاء في كتب التفسير أن هذه الآية جاءت ردا على ما كان المؤمنون يوم نزولها يتطلعون إليه من أجر وثواب على صيامهم وقيامهم دون أن يطلعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك أو لعلهم أظهروا له ما يدل على رغبتهم في ذلك ، فأمره الله تعالى أن يخبرهم بما أعد لهم مقابل طاعتهم أمره . وقد قال بعض المفسرين أن انتقال الله تعالى من مخاطبة عباده في آية الصيام إلى إقحام مخاطبة رسوله صلى الله عليه وسلم في الآية الموالية لها ، فيه تشريف وتعظيم لقدره عليه الصلاة والسلام ،وهو المبلغ الذي يبلغ عنه ، وقد كان بالإمكان أن يستمر الخطاب الموجه إليهم مباشرة " ولعلكم تشكرون وتدعون فأستجيب لكم " . وقالوا أيضا إن الله عز وجل بعد أن أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يبلغهم خبر الجائزة ،تولى بنفسه الجواب عن سؤالهم فقال : (( فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان )) عوض قوله : " قل إنه قريب " بضمير الغيبة ، وفي ذلك دلالة على شدة قربه سبحانه وتعالى من عباده المؤمنين وهم في عبادتي الصيام والقيام ، كما أن أن الدعاء فيهما مرجو، ومقبول، ومستجاب عنده سبحانه وتعالى .
وإذا كان دعاء الخلق بعضهم البعض طلبا لما يرغبون فيه ، يكون معلنا وجهرا بالضرورة ،وهو إما أن يجد استجابة أو لا يجدها ، فإن دعاءهم الله عز وجل والتماسهم الاستجابة عنده مؤكدة لقوله تعالى : (( فإني قريب )) وقربه دال على تحقق الاستجابة لا محالة، وإن كان الدعاء منهم سرا، ذلك أنه وحده سبحانه وتعالى الذي يعلم السر وأخفى . ولا شك أن استجابة الخالق سبحانه وتعالى يكون معها العطاء كاملا غير منقوص ، بينما لا يكون كذلك إذا دعي الخلق .
ولقد اشترط الله تعالى في قبول دعاء عباده المؤمنين وهم في عبادتي الصيام والقيام أن يظلوا على حالهم التي يكونون عليها فيهما ،فقال : (( فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون )) ،فالاستجابة له إنما هي طاعتهم المستمرة لما أمرهم بعد انصرام شهر الصيام مع المداومة عليها ، والإيمان به إنما هو الثبات عليه باستمرار وعلى الدوام ، وبذلك يتحقق رشدهم وهو إصابة الحق ،والاستقامة، والاهتداء. وبناء على هذا لا يمكن أن يرغب في جائزة استجابة الدعاء من يبيّت لاقتراف المعاصي والانحراف عن الرشد بعد انصرام شهر الصيام والقيام .
وأما ما يطلبه الصائمون القائمون من الله عز وجل، فهو ما دلهم عليه سبحانه وتعالى وما علمهم إياه في العديد من آيات الذكر الحكيم ، وهو الدعاء الذي يجب أن يقدم على غيره من الأدعية ، فضلا عما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في أحاديثه . ولقد علم الله تعالى عباده المؤمنين الجمع بين طلب ما يرغبون فيه في دنياهم وأخراهم كقوله تعالى : (( ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار )) ، فهذا من الدعاء الجامع بين طلب جوائز الدنيا وجوائز الآخرة .
والأدعية التي لقنها الله تعالى لعباده المؤمنين متعددة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر قوله تعالى : (( ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب )) ، فهذا من أعظم الأدعية أيضا ،لأن وقاية الله تعالى عباده من الزيغ هو أكبر نعمة أنعم بها عليهم رحمة بهم ، وكقوله أيضا : (( ربنا هب لنا من لدنك رحمة وهيىء لنا من أمرنا رشدا )) ، فهذا أيضا من أجل الأدعية لأن نعمة الرشد من أعظم النعم مع نعمة الرحمة . ، وكقوله كذلك : (( ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما)) ، فهذا من الأدعية التي يلح في طلبها العباد، ذلك أنه من سعادتهم في الدنيا أن تقر أعينهم بأزواجهم وذرياتهم ، ولا يعرف قدر هذه النعمة إلا من حرمها ، كما أن الحصول على درجة متقدمة في التقوى مما تصبو إليه النفوس المؤمنة .
ولرسول الله صلى الله عليه وسلم أدعية أيضا من وحي الله تعالى علمها للمؤمنين، وهي تصب في الأدعية التي لقنها الله تعالى لهم مباشرة في محكم التنزيل ، ومدارها كلها طلب المغفرة، والصفح ،والعفو وتكفير الذنوب ثم الحياة الطيبة في الدنيا ،وحسن المآل في الآخرة .
ومما يجب على المؤمنين في دعائهم ربهم سبحانه وتعالى شدة الإلحاح ، وتنجب الملل ،لأن الله تعالى لا يمل حتى يملوا ، بل إنه يحب منهم ذلك الإلحاح ،لأنه يدل على حسن ظنهم به ، واليقين بأنه لا يخيب رجاءهم فيه .
ومع أن الله تعالى دائم القرب من عباده المؤمنين في كل أحواهم ، ودائم الاستجابة إذا ما دعوه ، فإنه قد رغبهم في دعائه خلال أوقات معظمة عنده ،منها شهر رمضان بلياليه وأيامه، خصوصا في العشر الأواخر منه التي أخفى فيها ليلة هي خير من ألف شهر، تنزل فيها ملائكته الكرام صلواته وسلامه عليهم ويشهدون فيها أحوالهم وهم في صلاة ركعا سجدا، يدعون ربهم بما يرغبون فيه من مغفرة وعفو ، و يسألونه خير الدارين الأولى والآخرة . ومعلوم أن أقرب ما يكونون من ربهم جل وعلا وهم سجود كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم أشد قربا وهم صيام وقيام ، لهذا حثهم ربهم على دعائه وهم على هذه الحال ، ورغبهم في جائزة الاستجابة .
ومن الأدب مع الله عز وجل أن يقدم على الدعاء حمده والثناء عليه، وشكر نعمه شكر اللسان ، مع شكر استعمالها في طاعته والاستقامة له ثم الصلاة والسلام على رسوله الكريم المبعوث رحمة للعالمين .
ومن الأدب معه أيضا سبحانه وتعالى أن يصاحب التوجه إليه بالدعاء اليقين التام دون أدنى شك أو ريب أو تردد بأن استجابته حاصلة لا محالة، لأن من سوء الأدب معه أن تستكثر عليه الاستجابة مهما كانت ،وهو الكريم الجواد ،وهو الوهاب ،ذو خزائن الرحمة الواسعة التي لا حدود لها ولا نفاد .
ولا بد أن يكون الجود بين المؤمنين في الدعاء لبعضهم البعض بظهر الغيب ، وهو من الجود الذي يرضاه لهم الله عز وجل كما يرضى لهم جود الأيدي ، ورب دعاء لبعضهم البعض خير لهم من عطاياه .
والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات ، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
وسوم: العدد 1121