نجحت أميركا في العراق
نجحت أميركا في العراق
سليم الحص*
كان ضحايا الأحداث العراقية المؤلمة يُحصون بالعشرات يومياً، فأضحوا يُحصون بالمئات. أما الدمار في الممتلكات الخاصة والعامة فلا حدود له. وأما الأضرار الاقتصادية العامة الناجمة عن استمرار المجازر والفوضى فلا حصر لها. ومع ذلك فإن الإدارة الأميركية نجحت في تحقيق أهدافها من الحرب على العراق، للأسف الشديد.
كان لحرب أميركا على العراق ذريعتان معلنتان عند بداية الغزو، هما امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، وعلاقة النظام العراقي السابق بتنظيم القاعدة، على زعم الإدارة الأميركية. وبعدما أنجزت القوات الأميركية احتلالها العراق أجرت تحقيقاً في الزعمين فتبيّن أن كليهما باطل: فلا كانت في حوزة الدولة العراقية أسلحة دمار شامل ولا كانت هناك أي علاقة بين النظام العراقي السابق وتنظيم القاعدة.
فاستدارت الإدارة الأميركية في حملتها الدعائية لتروّج أن الداعي لغزو العراق كان نشر الحرية والديموقراطية في بلد كان يتحكّم به نظام استبدادي. فعلّقنا في حينه على هذه المقولة بالقول: إن هذا هراء. فكيف تكون الديموقراطية من دون حرية، وأين هي الحرية في ظل الاحتلال؟ فكيف تعمد الدولة العظمى إلى احتلال العراق، أي تسلبه حريته، وتزعم أنها تعتزم نشر الديموقراطية فيه؟
وسرعان ما تبيّن أن مقولة الحرية والديموقراطية كانت بالفعل كلام حق يراد به باطل. فعندما أجريت انتخابات تشريعية في العراق وفاز التيار المحابي لإيران على التيار الموالي للولايات المتحدة الأميركية، قامت الدنيا ولم تقعد. ثم عندما أجريت انتخابات تشريعية في فلسطين شهد العالم أجمع بنزاهتها، قامت قائمة أميركا وحلفائها فقوطعت الحكومة المنتخبة ديموقراطياً لمجرد أنها كانت من حركة حماس التي تصفها إسرائيل، المهيمنة على سياسة أميركا في الشرق الأوسط، بالإرهاب. ومارست أميركا وحلفاؤها الحصار على السلطة الفلسطينية المنتخبة بأقسى صوره، فبلغ حدود الخنق الفعلي، لا بل التجويع للشعب البائس.
يبقى السؤال الكبير: ما هو مبرّر أميركا لغزو العراق؟ إن لم تكن ذريعتا أسلحة الدمار الشامل وعلاقة مزعومة مع تنظيم القاعدة صحيحتين، وإن لم تكن ذريعة نشر الحرية والديموقراطية صادقة، فما عسى السبب أن يكون؟
تبيّن لنا أن أميركا حققت أهدافها في العراق على الرغم من كل مظاهر الفشل الآنفة الذكر. فنحن لا نميّز بين أميركا وإسرائيل في استراتيجيتهما حيال الشرق الأوسط. فاستراتيجية أميركا متطابقة، حتى في التفاصيل، مع الاستراتيجية الإسرائيلية. وقد نجحت الإدارة الأميركية في تحقيق مأرب استراتيجي إسرائيلي في العراق: كان العراق قبل الاحتلال يشكّل قوة عربية خلفية (بمعنى أنها ليست من دول الطوق أو المواجهة) تهدد أمن إسرائيل. فكان العدو الصهيوني يحسب حساب القوة العسكرية العراقية في أي حرب عربية إسرائيلية شاملة يمكن أن تحصل. أما اليوم، بعد الاحتلال وتشرذم العراق فئوياً بفعل الاحتلال، فيصح التساؤل: أين هي اليوم تلك القوة العربية الخلفية التي تهدد أمن إسرائيل؟ ماذا حلّ بها؟ لقد تبخرت كلياً ولم يعد يُحسب لها حساب. ولعل إيران هي التي حلت محلها في الحسابات الأميركية الإسرائيلية. لذا هذا التوتر الشديد في العلاقة بين الإدارة الأميركية وإيران بدعوى إصرار إيران على المضي قدماً في تخصيب اليورانيوم لتطوير طاقتها النووية، ولو السلمية. وإيران تصر على أنها ليست في وارد تطوير قنبلة نووية، وكل ما تتوخاه تطوير قدراتها النووية صناعياً.
هكذا نجحت أميركا فعلياً حيث فشلت ظاهرياً.
ونجحت أميركا في مفهوم آخر أبعد أثراً وأبلغ مغزى. فأميركا ـ ومن ورائها إسرائيل ـ تبنت ما سُمّي مشروع الشرق الأوسط الكبير أو الجديد، والطريق إليه هو ما سمّته الإدارة الأميركية الفوضى البناءة أو الخلاقة. بالله عليكم متى كانت الفوضى إلا هدّامة، اللهم إلا في منظار من يوظفها في تحقيق أهداف استراتيجية معينة. فالفوضى بناءة وخلاقة في نظر الإدارة الأميركية ومعها إسرائيل، من حيث إن الفوضى تفضي إلى تفتيت الشعوب والكيانات العربية جزئيات متنابذة ومتصارعة. ويبقى الكيان الصهيوني الكيان الوحيد غير المفتت. فيكون هو الأقوى والأمنع في المنطقة، وبالتالي يكون ذلك سبيلاً لإسرائيل للهيمنة على المنطقة برمتها. هكذا تكون الإدارة الأميركية قد حققت مأرباً إسرائيلياً استراتيجياً آخر. مرة أخرى نؤكّد أنه لا فارق بين الاستراتيجيتين الأميركية والإسرائيلية، في المنطقة العربية، ولا حتى في التفاصيل.
إلى كل ذلك، نجحت إسرائيل في السيطرة على الثروة النفطية العراقية الهائلة، فلم يعد يُعرف حجم الموارد النفطية ولا مآلها.
يطيب للعربي أن يقول إن أميركا فشلت في سياستها في المنطقة، وبخاصة في العراق وفلسطين ولبنان. ونحن نقول إنها في واقع الحال نجحت في تحقيق أهداف استراتيجية أميركية إسرائيلية. ومشروع التفتيت والشرذمة ما زال ناشطاً وفاعلاً على الجبهات الثلاث: العراقية والفلسطينية واللبنانية.
الرد على هذا التحدي المصيري قومياً لا يكون إلا بإحياء الوحدة الوطنية في الأقطار العربية الثلاثة، وبعث مشروع إقامة اتحاد عربي على غرار الاتحاد الأوروبي، ولو كره الحكّام العرب المتشبثون بعروشهم وكراسيهم الركيكة.
* سليم الحص: رئيس وزراء سابق في لبنان