سدود لخنق شط العرب
كاظم فنجان الحمامي
[email protected]
وأخيرا حُكم على هذا النهر الخالد أن يموت خنقا, وبحضور جميع الأنهار التي انفصلت
عنه, وأعلنت عليه العصيان والتمرد, وطعنته في خاصرته, ثم قطعت أوردته وشرايينه,
وسيتم تنفيذ الحُكم في المكان الذي سيقام فيه السد المرشح لخنقه, وسيكون مشهدا
مأساويا مروعا تقشعر له الأبدان, وتهتز له أركان القارات, وتتناقله وكالات الأنباء,
وتردده الفضائيات العالمية, وسيتصدر الخبر العناوين الرئيسية في الصحف المحلية
والأجنبية, ذلك لأنه نذير شؤم, وعلامة كونية من علامات اقتراب الساعة التي سينشق
لها القمر, وتشرق الشمس فيها من المغرب.
لم
نكن نتوقع أن تكون نهاية شط العرب الإعدام خنقا حتى الموت, وهو الذي لم يزل ينتظر
منا الوقوف معه في شدته , وتقديم المساعدة له في ردهة العناية المركزة التي يرقد
فيها منذ عام 1980, فقد سدت شرايينه بكولسترول الأطيان التي سببتها له ظاهرة
الترسيب والإرساب , وتضخم كبده من تراكمات سموم مصفى عبادان, وتمزقت أحشاؤه ببقايا
أشلاء السفن الغارقة التي تكدست في جوفه, وتساقطت أشجاره التي كانت تتباهى بغابات
عماتنا النخلات, وعبثت ببساتينه الخنازير البرية الهائجة, وتعطلت مراكبه المخصصة
لصيد الأسماك, وغمرت جداوله المياه المالحة, فامتلأت مثانته بالملوثات والنفايات,
وهكذا فقد حيويته, وخسر نضارته, وتدهورت صحته, وساءت أحواله, وبدت عليه علامات
العجز والشيخوخة.
ربما تتسائلون عن المكان الذي سيقام فيه السد الخانق, بذريعة اعتراض الموجة المدية
القادمة من جهة البحر, والاحتفاظ بمخزون المياه العذبة في الجزء الواقع شمال السد.
فهل سيقام السد جنوب الفاو لكي يحمي أوسع مساحة, وأطول مسافة من شط العرب ؟,
والجواب: كلا طبعا. ذلك إن إقامة السد جنوب الفاو يعني غلق الممرات الملاحية
المؤدية إلى الموانئ الإيرانية (خسرو آباد, وعبادان, والمحمرة), وهذا ما لا توافق
عليه إيران جملة وتفصيلا. إذن من المحتمل أن يقام السد جنوب (أبو الخصيب), وهذا
يعني غلق الممر الملاحي بوجه ميناء المعقل, وميناء (أبو فلوس), ومرسى (المفتية),
ومرسى (العشار), ومرسى الأسمدة, والسماح لمياه البحر بالتدفق على راحتها لتغمر حوض
شط العرب بالمياه البحرية الشديدة الملوحة بنسبة 100%, وبالتالي السماح للبحر بقتل
المزارع والبساتين في كوت الزين, والبلجانية, وأم الرصاص, والكطعة, وسيحان, والسيبة,
والواصلية, والزيادية, والدويب, والفداغية, والدورة, والمخراق, والمعامر, والفاو,
وكل ما يقع جنوب السد, والسماح لها بقتل المزارع والبساتين الإيرانية الواقعة على
الضفة المقابلة, ابتداء من المحمرة, وجزيرة حجي صلبوخ, والبريم, وعبادان, وبواردة,
وشطيط, والدواسر, وخسرو آباد, والقصبة, ومركت علي, وهذا يعني أيضا السماح للموجة
المدية بالتغلغل داخل نهر كارون نفسه في حالة استمرار غلق سد الدز. والأخطر من ذلك
كله إن الموجة المدية التي تتكرر بمعدل مرتين في اليوم, ستتصاعد وتطغى على الأراضي
الواقعة في (مثلث الفاو), وستكون الظروف الجغرافية ملائمة لها للالتقاء بمياه خور
الزبير. وربما تتعاظم قوتها بحيث تصبح قادرة على اختراق البصرة من جهة المدينة
الصناعية في موقع (حمدان) بسبب رخاوة تربة مثلث الفاو, وسهولة تفتتها بفعل قوة
التيارات البحرية الجارفة, التي ستزداد سرعتها لتصل إلى ست عُقَد اثناء المد, والى
سبع عُقَد اثناء الجزر, وبالتالي فان العراق سيخسر الأراضي الواقعة جنوب السد
بمدنها ومزارعها وبساتينها, ويعني أيضا القضاء على مشروع ميناء العراق الكبير, ومن
المتوقع ان يتغير شكل الشريط الساحلي العراقي ويتشوه بالكامل. وستسري هذه النتائج
على إيران, لأن الموجة المدية ستكون قادرة على إغراق المناطق الواطئة, الواقعة جنوب
عبادان, مع احتمال تسرب المياه المالحة إلى هور (الفلاحية), وهور (الدورق). اما
النتائج غير المتوقعة, فهي: ان هذه الموجة المدية ستقتحم ترعة (بهمنشير) من جهة
خسرو آباد, وتدمر النظام النهري لدلتا شط العرب برمته, وهذا بالطبع يشمل العراق
وإيران على حد سواء. لذا ينبغي اجتثاث فكرة السد من جذورها والكف عن تكرارها, لأن
ترديدها وحده كفيل بجلب النحس والهلاك, ويتعين علينا عدم التطرق لها مرة أخرى, وان
نتجنب التلاعب بميزان الطبيعة, ونحث الخطى باتجاه
تهيئة ونصب محطات التحلية العملاقة على غرار ما موجود في البلدان الخليجية. ونسعى
لغلق ناظم شط البصرة نهائيا, وربط المصب العام بـ (كرمة علي), وتوحيد قوة التصريف
النهري, وربط محافظة البصرة بأنبوب يحمل لها الماء العذب من (البدعة).
اما
موضوع البحث عن الحل النهائي لأزمة الماء الأجاج, فيمكن العثور عليه بعد إدراك مغزى
الآية الأخيرة من سورة (الملك) في القرآن الكريم والتمعن في أبعادها. والله أعلم.