بين الدونية والعزة المفقودة
أ.د/
جابر قميحةليس فينا من ينسى الساعات التي زار فيها الرئيس الأمريكي أوباما مصر ،
ومازالت تصك آذاننا ، و " تكحل " عيوننا عناوين الصحف ، وأصوات وسائل الإعلام المسموعة والمرئية :
· أوباما يختار مصر لزيارته دون أي بلد آخر .
· الرئيس الأمريكي يفضل مصر على أية دولة أخرى ؛ لأنه يعرف أهمية مصر على مستوى المنطقة ، ومستوى العالم .
· الرئيس الأمريكي يشارك مصر في إقرار السلام .
· خطاب الرئيس الأمريكي في جامعة القاهرة يهز العالم ، وينطق بمكانة مصر ، وحرصها على السلام .
· إسرائيل تجتاحها حالة من الغضب لاختيار أوباما مصر وتقديم مشروعه.
· مباحثات الرئيسين مبارك واوباما تحقق السلام في المنطقة .
· ولم تنس الصحف المصرية " القومية !!!!! " أن تتبع الأفعال والحركات والأنفاس والسكنات الصادرة من " إمبراطور الكون أوباما "، فلم تنس أن تذكر أن عظمته تنازل وتناول إفطارا شعبيا مصريا مكونا من : فطير مشلتت ، وعسل أسود ، وطعمية وفول مدمس .
· وكتبت صحيفة الأهرام عن البركات التي حلت على أساتذة جامعة القاهرة ، وكل العاملين بها بصرف رواتبهم عن شهر يوليو مضاعـفة بسبب زيـارة " سيدنا أوباما "لجامعة القاهرة . ( الأهرام الاثنين 1082009 )
**********
والخلاصة أن حكامنا كانوا ـ وما زالوا ـ ينظرون إلى أوباما نظرتهم إلى المنقذ الأكبر ... القدير على تحقيق ما يريدون وما يريد هو بمشيئته الفردية . وكأنهم يجهلون أن هناك قانونا يحكمه ، ومؤسسات دستورية تملك أن توقفه عند حده .
ولا ننسى مظاهر النظافة الأسطورية التى غمرت الأماكن التى يزورها الرجل ، والورود التى زينت مسجد السلطان حسن ، ثم " عادت ريمة لعادتها القديمة " . وسافر أوباما إلى بلاده أمريكا صادق الولاء لوطنه . وما زالت السيطرة الصهيونية لها وجودها وكيانها وهيمنتها التي يعجز عشرات مثل أوباما أن ينالوا منها.
قلت في نفسي لا عجب فنحن في عصر الدونية والخلل والهوان ، واستهانة الحكام بشعوبهم،حتى نجحوا في تفريغهم من قيمها ، وعزتها وقدرتها .
فإذا ما قلنا يا كبار الحاضر الضائع التائه المنكسر : تمثلوا الأعزةالشامخين
من حكامنا المسلمين من السلف الصالح .... إذا قلنا هذا تصدى لنا حملة القماقم ... الآكلون على كل مائدة ، الهبارون الهباشون واتهمونا بالرجعية والظلامية ، والتخلف . وصاح كبير منهم " إن هؤلاء يريدون أن يعيدوا الشعب إلى ظلام العصور الوسطى " .
وامتدت هذه الروح الخبيثة إلى المناهج التعليمية ، التى خلت من وقائع العزة والثبات والشموخ في سلفنا الصالح أيام أن كان الخليفة المسلم يتصدى للأكاسرة والقياصرة .
ومن الروايات التى نقلت إلينا بلسان أحد المسلمين الصادقين :
" دخلتُ القسطنطينية تاجرا في عهد عمر بن عبد العزيز، فأخذت أطوف في بعض سككها حتى انتهى بي المطاف إلى فناء واسع، رأيت فيه رجلا أعمى، يدير الرحى وهو يقرأ القرآن، فعجبت في نفسي ، في القسطنطينية رجل أعمى يتكلم العربية، ويدير الرحى، ويقرأ القرآن!! إنه لنبأ!!، فدنوت منه وسلمت عليه بالعربية، فرد السلام، فقلت: من أنت يرحمك الله؟ ما نبؤك؟ فقال: أسير من المسلمين أسرني هذا الرومي، وعاد بي إلى بلده، ففقأ عينيَّ، وجعلني هكذا أدير الرحى، حتى يأتي أمر الله. فسألته عن اسمه وبلده وقبيلته ونسبه، وما كان لي من عمل حين عدت قبل أن طرقت باب أمير المؤمنين، وأخبرته الخبر، فاحتقن وجهه، واحتدم غضبا، ودعا بدواة، وكتب إلى ملك الروم :
"قد بلغني من الآن كذا وكذا، وإنكم بذلك قد نقضتم ما بيننا وبينكم من عهد: أن تسلموا كل أسير من المسلمين. فوالله الذى لا إله إلا هو لئن لم ترسل إلي بهذا الأسير لأبعثن إليك بجنود يكون أولها عندك، وآخرها عندي" ..
ودعا برسول فسلمه الكتاب، وأمره ألا يضيع وقتا في غير ضرورة حتى يصل، ودخل الرسول على ملك الروم، وسلمه الكتاب، فاصفر وجهه، وأقسم أنه ما علم من أمر هذا الأسير شيئا. وقال: لا نكلف الرجل الصالح عناء الحرب، ولكننا نبعث إليه بأسيره معززا مكرما. وقد كان".
وجاءت هذه الرواية من طريق آخر ، وكانت نهايتها "...وكتب إلى ملك الروم خطابا يقول
فيه :من أميرالمؤمنين عمر بن العزيز إلى كلب الروم
فإنى قد جاءنى خبر ذلك الرجل الذى
صفاته كذا وكذا (ووصف له الرجل) وإنى آمرك أن
تبعثه لى وإلا
فوالله الذى لا إله إلا هو قبل أن يأتيك خبر جيشى سيكون أوله عندك
وآخره
عندى، وسأطأ بقدمى على عنقك".
فبعث ملك الروم الرجل إلى أمير المؤمنين عمر بن
العزيز ومعه رسالة
مكتوب فيها :
"هذا هو الرجل الذى أردته ,فابعث إليَّ أحد رسلك لنعقد
الصلح بيننا".
فرد عليه أمير المؤمنين عمر بن العزيز بقوله:"لا سلام بيننا وبينكم
إلى يوم الدين"
.
وفي بيان بليغ آسر ( 23 إبريل 1948 ) . يكتب الإمام الشهيد حسن البنا رابطا هذه الواقعة بنكبة فلسطين بالكلمات المتوهجة الآتية:
&"أيها العرب والمسلمون، لم تعد المسألة مسألة أسير، ولا أسيرة، ولكنها أصبحت أكبر وأضخم، وأجل وأعظم، إنها قضية الحياة والشرف والكرامة والوجود لشعب بأسره، احتضنته الأمة العربية كلها، وتظاهرت على نصرته جهود العالم الإسلامي في أقطار الأرض، ثم هي قضية مستقبل الأرض المباركة والمسجد الأقصى، ثالث الحرمين وأولى القبلتين.
فاذكروا فظائع اليهود الوحشية في قرية دير ياسين، وقرية ناصر الدين، وقرية أبو زريق.. وقرية ساريس، ثم اذكروا حيفا إحدى عواصم فلسطين الثلاث، واذكروا ما بعدها إن ظللتم قاعدين، ثم انظروا ما أنتم فاعلون؟ ولا يكن حظكم من الانتصار لهذه المواطن الذبيحة أن تصيحوا "واعمراه.. وامعتصماه..
**********
ولنستحضر أمام نواظرنا هارون الرشيد وهو يخاطب نقفور هرقل الروم بالكلمات الآتية : "بسم الله الرحمن الرحيم من هارون أمير المؤمين إلى نقفور كلب الروم، قد قرأت كتابك، والجواب ما تـراه دون أن تسمعه يابن الكافرة والسلام " .
ولا ننسى موقف المعتصم عندما انطلق لقتال الروم الذين اسروا مسلمة بريئة ، فصاحت " وا معتصماه " فجاءها الجواب العملي من الخليفة المسلم " لبيك لبيك أمة الله " .
وفي هذا السياق نتذكر رسل سعد بن أبي وقاص إلى رستم قائد الفرس : ربعي بن عامر . و حذيفة بن حصن . والمغيرة بن شعبة على أيام مختلفات. وكلهم ـ في مواجهة رستم بقصره ـ كانوا مثلا شامخة في العزة ، واستعلاء الإيمان ، محتقرين كل مظاهر النعيم والرفاهية والغرورالتي كان عليها رستم.
ويطول بنا المسار لو رحنا نستعرض مواقف العزة والشموخ في تاريخ المسلمين ، ومنهم من لم يكن حاكما ولا قائدا . من ذلك أن أحد علماء اللغة سأل بدويا قحَّا : اتقول استخذيت ، أم تقول استخذأت ؟ فقال : لا أقولهما . سأله لماذا ؟ فأجاب : لأن العرب لا تعرف الاستخذاء .
ولكننا ـ يا للعار ــ إذا نظرنا إلى واقعنا الحاضر وجدنا أن العرب لا يعرفون إلا الاستخذاء .
**********
وحتى نحقق العزة المفقودة يجب أن نحرص على أن نكون أصحاب اليد العليا ، وقد عاش المسلمون ردحا من الزمن كانوا فيه هم أصحاب العطاء في ميدان الهداية والعلم والخبرة . وعلى سبيل التمثيل كانت قرطبة كما تقول " زيغريد هونكة " تجتذب طلاب العلم من كل أنحاء الشرق بل والغرب أيضا ، وكان بها مكتبة عدد مجلداتها نصف مليون مجلد .
وتقول " كانت نسبة 95 % على الأقل من سكان الغرب في القرون 9 ، 10 ، 11 ، 12 لا يستطيعون القراءة والكتابة بينما كان في المدن والقرى الإسلامية ملايين البنين والبنات يقرءون ويكتبون .
**********
ولن نستطيع أن نعيد هذا الماضي ــ بما فيه من رفعة وسمو وشموخ ــ إلا إذا أخذنا أنفسنا باسترفاد المنابع الصافية : القرآن والسنة وعمل السلف الصالح . وبذلك تتحقق هويتنا التى حرص أعداؤنا على محوها وإزالتها ، حتى نكون طائعين مخذولين مستسلمين لأصحاب "اليد العليا" من أعداء الإسلام والعروبة .
ويجب أن تكون هذه العودة عودة شاملة صادقة ، مدفوعة بإيمان قوي لا يلين ، فنحقق بذلك هويتنا ، ويكون لنا " شخصيتنا المـستقلة " ذات الإرادة الحـرة .
وهذه الاستقلالية يجب أن تكون شاملة لكل مناشط الحياة : في الاقتصاد ، والتعليم ، والعسكرية ، والشئون الاجتماعية .
ومن الممكن تحقيق التكامل الاقتصادي بين البلاد العربية ، وتوسيع الدائرة ليدخل فيها البلاد الإسلامية غير العربية كباكستان ، وإيران ، وماليزيا ، وأندونيسيا .
وفي ميدان التعليمم يجب أن يكون الحظ الأوفى للتربية الروحية والنفسية ، ويجب أن تكون العلوم والمعارف في مجال الدراسات الإنسانية هادفة " لتشكيل شخصية المسلم القوي الشامخ " الذي لا يستسلم للذل والضيم والاستخذاء .
ويجب أن تكون المناهج والمقررات المدرسية معتمدة على الانتقاء الذي يحقق هذه الغاية . ومنها عرض سير أبطال الإسلام والعروبة الذين عاشوا باستعلاء الإيمان ، فلم يذلوا ، ولم يهونوا . وفي مجال الحكم يجب أن يحترم الحكام إرادة شعوبهم ، وتكون الشورى الحقيقية هي أهم الوسائل في تسيير أمور الأمة ، فما خاب من استشار ، وما أحكم قوله تعالى " وشاورهم في الأمر " آل عمران 159.
والشورى ليست مجرد أخذ رأي الشعب في مسألة من المسائل ، ولكنها تعني تربية الشعب على " اعتبار ذاته " ، وهو يرى حاكمه يقدره ويستشيره ، وكأنما هو يحكم نفسه بنفسه ، وهي كذلك تدريب للشعب على " الابتكار " بتقليب الأمور ، واستقراء المسائل والمواقف لاستخلاص النافع المجدي ، وهي كذلك تنمي في أفراد الشعب شعورهم بالانتماء للأرض والوطن ؛ لأنهم يشاركون بالرأي في تسيير أمورهم ، وتوجيه شئونهم وسياستهم .
فإذا تشكلت شخصية المسلم بهذا التكامل الحميد ، وأصبح لها الاعتبار الكامل داخل وطنها غدت مهيبة في نظر أعدائنا ، " فلا ينزع من صدور أعدائنا المهابة منا " ، ولا يظهر فينا " الخَبَث " ، وتتطهر قلوبنا من الوهن وهو " حب الدنيا وكراهية الموت " وبذلك ينسلخ المسلمون من الدونية ، وينطلقون إلى العزة الظافرة باستعلاء الإيمان .