ياليالي ( حنين ) ما انهزمَ الركبُ !
﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ 25 / التوبــة*
أيُّ ليلٍ من الليالي الوِضاءِ = فاضَ فيه الحنينُ حُلوَ الرواءِ
آبَ للروحِ رفرفُ الأُنسِ فيه = من دياجي الكآبةِ العجفاءِ
وتدلَّى من أُفْقِه القبسُ الأسمى = على عالمِ الأسى والجفاءِ
يمطرُ الفرحةَ الضَّحوكَ ، ويحيي = مهجًا ظمأى في الربا القفراءِ
أكرمتْها السماءُ بالخيرِ فاهتزَّتْ = بفوَّاحِ نشرِها المعطاءِ
وتلاشتْ على الحنايا رياحٌ = عاصفاتٌ تثورُ كلَّ مساءِ
من همومٍ نضتْ عن اللوعةِ = الثملى برودًا منسوجةً بالبلاءِ
وتغنَّى الفؤادُ بعدَ سنينٍ = ألجمتْهُ الشجونُ بالأرزاءِ
وتجلَّتْ آفاقُنا مقمراتٍ = برضا اللهِ يالطيب الرداءِ
ودرجنا نعانقُ الأملَ المخضلَّ = طيفًا سرى على الغبراءِ
ورأينا ما أبدعَ اللهُ على الأرضِ = وما بثَّ في رحابِ السَّماءِ
فإذا الكونُ جنَّةٌ وهبتْها = لرفيفِ الأرواحِ روحُ العلاءِ
لنسيماتِ أُنسِها قد غدونا = ولدنيا رياضِها الفيحاءِ
وإلى الزَّهوِ بالحنيفِ ينادي = بين أفياءِ سحرِها والصَّفاءِ
والأغاريدُ موكبٌ في قوافيه = ابتهاجُ المشاعرِ الغيداءِ
وهفت أنفسُ الأباةِ إليها = واستمالَ القلوبَ عذْبُ الغناءِ
والأماني رؤى صباحٍ جديدٍ = باسمات كالوردِ في الأضواءِ
يسرعُ الخطوَ رغمَ ليلٍ بهيمٍ = ماطوتْهُ عواصفُ البلواءِ
فيه مافيه من أناشيد قلبي = وحنيني لدافقاتِ الرجاءِ
وبشوقٍ يضجُّ بينَ ضلوعي = وولوعٍ بسيرةِ الأنبياءِ
وحكايا عن الأحبةِ تروي = ظمأ الروحِ للنَّدى والوفاءِ
واشتياقي لمنهلِ الواردين = الآسرينَ الفؤادَ في الشهداءِ
عالمٌ زاخرٌ بفيضِ سُمُوٍّ = رقرقتْه أناملُ الأصفياءِ
ورواياتُ أمسِنا تتثنَّى = أنجزتْها بطولةُ الأوفياءِ
هي منها ومن سناها حروفٌ= لجناحَيْ قصيدتي العصماءِ
وبراكين إذ يفجَّرُها الشعرُ = شظايا مشبوبةَ الأصداءِ
ياليالي ( حنين ) ما انهزمَ الركبُ = ولا هابَ من سطوةِ الأشقياءِ
صوتُ ( عبَّاس ) لم يدعْ لي طريقًا = غيرَ خوضي لفائراتِ الدماءِ
والنَّبيُّ الحبيبُ في المعمعِ الهدَّارِ = يرمي جحافلَ الأعداءِ
فالرواياتُ أضرمتْ نارَ ثأرٍ = تتلظَّى بالهمَّةِ القعساءِ
مالوتْها أيدي الجناةِ : فجمرٌ = هو همسُ القلوبِ في الإدجاءِ
وهو البثُّ للربيعِ المرجَّى = في السَّحابِ المدلِّ بالأنواءِ
من عهودٍ بها الأماني عِذابٌ = وزمانٍ موشَّحٍ بالضياءِ
ونسيجٍ من الحديثِ المصفَّى = ردَّ وهـمَ البصيرةِ العمياءِ !
فعلى الطيفِ نقلةٌ لاعتزازٍ = بمثاني كتابِنا اللألاءِ
ينجلي للرجالِ وهبًا زكيًّا = وهدى من غيوبِ وحيِ السماءِ
ويضمُّ النفوسَ للأفقِ الأعلى = ويسمو بخطوِها الغدَّاءِ
وإذ الشوقُ والحنينُ يسوقان = معاني الوفاءِ للأوفياءِ
تتعالى نفوسُنا في خُطاها = فوق داءِ الأحقادِ والبغضاءِ
تعسَ الحقدُ لن يُجلَّ ولن يرقى = بنوهُ معارجَ العلياءِ
حملوهُ على المناكبِ أثقالَ = هوانٍ و ذلَّةٍ وافتراءِ
فكووا باللظى قلوبَهُمُ العجفاءَ = فالحقدُ جمرُه من شقاءِ
ومشوا بالسموم بين أُناسٍ = لم يبالوا بالذَّمِّ أو بالثَّناءِ
يسكبون الأضغانَ سمًّا زعافًا = كسمومِ الزواحفِ الرقطاءِ
إنما الحاقدون أكثر شرًّا = وإن استحوذوا على البسطاءِ
وهم الأسرى لافكاك لهم من = قيدِه رغمَ فسحةِ الغبراءِ
أين منهم سماحة الخُلُقِ المرضيِّ = يحنو برحمةِ الغرَّاءِ !
إذ على اللهفةِ الأثيرةِ للحقِّ = استخفوا جناحَها للمضاءِ
من هناك ائتلاقُ شمسِ علانا = وانبلاجُ الحقيقةِ الزهراءِ
عزَّ إخوانُنا الكرامُ إذا قيسوا = بدنيا الأخلاقِ في هؤلاءِ !
يحملُ الشعرُ جرحَنا غيرَ ميْتٍ = رغمَ ذبحِ الأعناقِ والآراءِ !
جاءَ فيه الإباءُ لحنًا موشَّى = بالمآسي واللمعةِ الحمراءِ !
وبليلٍ من الكآبةِ وافى = مهجَ الركبِ مثقلا بالعناءِ
كم على ظلِّه المريعِ حبسنا= أدمعا من مرارةِ وبلاءِ !
ونسجنا من الهمومِ رداءً = مزَّقتْ وهنَه يدُ الكبرياءِ !
لن يهونَ الإيمانُ في زحمةِ = الخطبِ ولن يُستباحَ قلبً فدائي
تُطفَأُ النارُ في البراكينُ لكنْ = ليس تُطفَى في أضلعِ النُّجباءِ
شرفُ المـرءِ أن يعيشَ كريمًا = في شِعابِ الأسى وبيدِ الجفاءِ
فمن العزِّ : غربةٌ في ليالٍ = موحشاتٍ كوحشة الظلماءِ
ومن الخيرِ : أن نحرِّمَ فيها = مايواتيه البغيُ للسفهاءِ
ومن الحقِّ : أن نعودَ انعتاقًا = لرحابِ النُّبوَّةِ الفيحاءِ
واليقينُ المكينُ باللهِ أجدى = من خميسٍ مدجَّجٍ بالدهاءِ
فافطم النفسَ عن شهيِّ الدنايا = وترفَّعْ عن ذلةِ الجبناءِ
إنَّما العمرُ ساعةٌ في نزالٍ = منحتْها فيوضً ربِّ السماءِ
وإلى موئلِ الكرامةِ حثَّتْ = من خطاها عزائمُ العقلاءِ
والأبيُّ الأبيُّ معرضُ قلبٍ = عن تفاهاتِ نزوةِ الغوغاءِ
والطريقُ القويمُ وجهةُ روحٍ = دلهمتْ بالظلامِ والأنواءِ
إنَّ وجهَ الحياةِ وجهٌ عبوسٌ = ويقينُ الرجالِ نورُ الرجاءِ
أيُّ نفسٍ لم يبتلِ الدهرُ ممشاها = ولم يرمَ أمنَها بابتلاءِ !
وأباحَ ابتهاجَها القدرُ النافذُ = فاربدَّت أوجُهُ الضَّرَّاءِ !
غير أنَّ النفوسَ في ليلها المسجورِ = ترنو إلى انبثاقِ الضياءِ
وبعيدٌ مابينَ زورِ الأماني = وصحيحِ انجلائِها للظِّماءِ
ماتوارتْ بأفقِنا المائجِ اليومَ = عن المؤمنين ومضةُ راءِ !
نضَّرتْ بابتسامِها وجهَ عمرٍ = عاشَ في أُنسِه ثقيلُ الدَّاءِ
وانجلى في جبينَه لمحً كربٍ = يتغشَّى في الصبحِ والإمساءِ
وفصولُ الإقدامِ تشتد فيها = عزماتُ الفدا لحملِ اللواءِ
في خضمِّ الأحداثِ والهولُ عاتٍ = ماسلكنا سوى سبيلِ المضاءِ
لم يزدنا البلاءُ إلا يقينًا = يتخطَّى تفاهةَ الإغراءِ
في السنين العجاف إنَّ مكثنا = زادُنا الصَّبرُ من هدى الأنبياءِ
يأكلُ الناسُ من فتاتِ الدنايا = ويوالون ميِّتَ الأحياءِ
غير أنَّا بالحقِّ لا نترامى = ماحيينا على دنى الأعداءِ
***= ***
كم طوتْ موجةُ الشجونِ فؤادي = كحصاةٍ في غمرةِ الدأماءِ
وتناءتْ بشاشةٌ مارآها = في الصباحِ الضحوكِ والظلماءِ
والحنايا تموجُ بالآهِ لم تهدأْ = قـوافي رياحِها الهوجاءِ
والفؤادُ المنيبُ للهِ راضٍ = هكذا سُنَّةُ الرضا بالقضاءِ
ليس تعميه فتنةُ الألمِ الأعمى = ولم يلجمْ شدوَه عن حُداءِ
وأتى يرمقُ القطوفَ الدواني = فوقَ بيدِ الأشواكِ والحصباءِ
ويصوغُ الولاءَ للهِ حُـــــــــــــــــــرًّا = ليس يرضى بحمأةِ البغضاءِ
ويؤاخي سكينةَ الليلِ يحيي = ماتوارى عن رفرفاتِ الرواءِ
ويقضِّي الساعاتِ يأملُ في الفجرِ = أمانيَّ صحبِِه الغرباءِ
فرؤى البِرِّ شعلةٌ في الحنايا = ليس تخبو من لفحةِ الأرزاءِ
قد حباه الإيمانُ مهما تلظَّتْ = عربداتُ الطاغوتِ بالإعلاءِ
لايواليه زخرفًا نمَّقتْهُ = بنتُ دنيا الشواغلِ البلهاءِ
والخيالاتُ تنطوي لانراها = بعدَ محقِ الضلالةِ العمياءِ
في الطريقِ السَّويِّ حثَّتْ خطاها = تسبقُ الشجوَ والأسى وجنائي
وتغنَّيتُ بالأناشيدِ علويَّةَ = مجدٍ مشبوبة الأصداءِ
همساتٌ تميسُ فيها حروفٌ = مترعاتٌ بالشوقِ بعدَ اهتداءِ
حين جاشت بأفْقِها النفسُ واهتزَّ = تْ لغيثٍ محمَّلٍ بالحِباءِ
وهبتْهُ الغيوبُ دفقةَ خيرٍ = في حقولِ الكآبةِ الجرداءِ
فربتْ فرحتي ، وبشَّ فؤادي = و تثنَّى بالوردِ والأشذاءِ
وأعاد الأريجُ أفراحَ عمرٍ = قد تقضَّى والنارُ في الأحشاءِ
فالمقاديرُ في الورى أحكمتْها = قدرةُ اللهِ لايدُ السفهاءِ
ومن البغيِ أن تبوحَ بداءٍ = قرَّحّ القلبَ مكثُه في خفاءِ
لو درى المرءُ مابها من أمورٍ = محكماتٍ لعاشَ عيشَ الإباءِ
والكريمُ الأبيُّ مَن ظلَّ شهمًا = لم يدنِّسْ علاهُ بالأهواءِ
والتَّقيُّ التَّقيُّ قلبٌ سليمٌ = ليس يرضى بغيرِ ربِّ السَّماءِ
فالشكاوى لغيرِه عبثُ الجاهلِ = بينَ استهانةِ الخلطاءِ
فاتَّقِ الميلَ للسفيهِ ولا تركنْ = لطاغٍ تراهُ في الأحياءِ
إنما الفخرُ والمروءةُ أن تحيا = لياليكَ ناظرًا للعلاءِ
وإذا ضنَّ بالكرامِ ووافى = زمنُ الطيشِ والهوى والهراءِ
فاعتصرْها من الطهارةِ دنيا = في مغانيها موكبُ النُّصراءِ
فدعِ الشكوى للجبانِ وأحجمْ = مؤمنًا عن مقولةِ الأشقياءِ
***=***
جنَّةُ الروحِ عالَمٌ فيه تسمو = كلُّ روحٍ بالهمَّةِ القعساءِ
عالَمٌ ليس من فحيحِ بغيٍّ = أو حكايا سفاهةٍ وافتراءِ
ردَّ لي روعةَ النَّهارِ ، وأغرى = لهفةَ القلبِ للرؤى البيضاءِ
فهفا ينشدُ المغانيَ شوقًا = لجميل الرضا وحُسن اللقاءِ
من نسيماتِ عَدْنِه بات يحثو = يملأُ الصدرَ من عبوقِ الشَّذاءِ
والكرامُ الكرامُ من خيرةِ الركبِ = حوالينا في مغاني الهناءِ
إذ ركضنا على الدروبِ العذارى = ويدُ الليلِ لم تزل في انطواءِ
حاملين الأفراحَ عطَّرها الطيبُ = بأرجاءِ ( طيبةِ ) الفيحاءِ
نشرُها العذبُ للنفوسِ حياةٌ = بين تلك الأنداءِ والأفياءِ
واخضرارِ الآمالِ بينَ يدينا = ماتراءى للأنفُسِ العجماءِ
جنَّةٌ صاغها الإلهُ لذي عقلٍ = وروحٍ وثَّابةٍ لارتقاءِ
مذ خُلِقنا رضا الغفورِ هوانا = فوقانا من فتنةِ الخيلاءِ
وعلى دينِه القويمِ مضينا = وصبرنا على لظى اللأواءِ
وجهُنا واحدٌ فليس يرانا = أحدٌ في مراتعِ الإزراءِ
قل لمَن باعَ دينَه مطمئنًّا = بمتاعِ الحياةِ كالجبناءِ
ونهانا عن المضيِّ بدربٍ = قد تولاَّه سيِّدُ الأنبياءِ
قد وهبنا الأرواحَ للهِ يامسكينُ = لا للسلطانِ والأمراءِ
يدُنا في يدِ الذين استقاموا = من عديد الحكامِ والعلماء
مَن تنادوا للحكمِ في الناسِ شرعا=لم يهابوا سفاهةَ الأشقياءِ
وتصدَّوا لظالمٍ أو خبيثٍ =رامَ أن لايـرى سُمُـوَّ الإبـاءِ
ومن العارِ أن نعيشَ على الأرضِ = عبيدًا للمالِ أو للنساءِ
والموازينُ عندَ ربِّك كانت = لابأوهامِ نفسِك الخرقاءِ
*إضاءة من كتب التفسير : ( عناية الله تعالى وتأييدُه لرسوله ﷺ وللمؤمنين بمعيَّته؛ أعظمُ شأنًا وأدنى إلى النصر من قوَّة أعدائهم الماديَّة، فمَن نال ذلك فقد رفرفَ الظفَرُ على رايته.فالتجرُّد لله تعالى، والصلةُ به سبحانه هي عُدَّة النصر التي لا تخذُل المؤمنين وإن قلَّ منهم العَدد والعَتاد، أو خذَلهم المالُ والأولاد.قد تغُرُّ الكثرة أصحابَها، فيتهاونون في توثيق صِلة الاستنصار بالله، وتشغَلُهم عن سرِّ النصر في هذه الحياة، فيُهزمون.وهنا يربِّي الله عبادَه المؤمنين ببعض الجِراح، ليَسلَمَ جسدُ الإيمان، فالأجسام قد تَصِحُّ بالعِلَل. (
وسوم: العدد 1114