التعليم العام والعالي الحديث في (الباحة، وعسير، وجازان، ونجران) وآثارهما الإيجابية على البلاد والعباد

أ.د. غيثان بن علي بن جريس

sdfsdf1118.jpg

إنَّ الكتابة في موضوع التعليم يحتاج إلى الاطلاع على المصادر والمراجع التي ناقشت هذا الميدان، وبخاصة البلاد التهامية والسروية الواقعة بين حواضر الحجاز واليمن الكبرى، وهذه الأوطان ذات تاريخ وحضارة قديمة، ومأهولة بالسكان من عصور ما قبل الإسلام، وخلال القرون الإسلامية المبكرة، والوسيطة، والحديثة، والمعاصرة. وإذا بحثنا في الأعمال العلمية التوثيقية التي صدرت عن هذه البلاد، وجدنا معظمها في العصر الحديث وتحديدًا من القرن (13هـ/19م) إلى وقتنا الحاضر (1446هـ/2025م)، أما العصور السابقة فالمكتوب عنها شبه نادر، وعموم هذه الأحواز التهامية والسروية مازالت بحاجة شديدة إلى دراسة تاريخها وتراثها من العصر القديم إلى القرن (12هـ/18م)، وإن وجدت بعض البحوث والكتب عن هذه الأزمنة إلَّا أنَّها قليلة جدًا، ودون المأمول.

حددت في هذه المقالة حديثي عن التعليم العام والعالي الحديث في بلاد السروات وتهامة، من جنوب مكة المكرمة والطائف إلى جازان ونجران، ولم أناقش تاريخ التعليم في هذه البلاد قبل منتصف القرن (14هـ/20م)، فهذا مجال واسع، وصدر عنه بعض الكتب والبحوث العلمية، والرسائل الجامعية. ومازال يستحق مزيدًا من البحث العلمي الجاد، وهناك الكثير من المخطوطات والوثائق غير المنشورة من العصر الإسلامي الوسيط إلى القرن (14هـ/،19ــ20م) فهي جديرة بالجمع والدراسة والتحليل والتحقيق.

حصرت تدويني على عصر التعليم الحديث في عهد الدولة السعودية الحالية، أي خلال مئة سنة تقريبًا (1345-1446هـ، 1926ــ 2025م)، ولا أزعم أنني سوف أسجل دراسة علمية عميقة، بل مقالًا محدودًا أذكر فيه خطوط عامة عن التعليم العام والعالي في مناطق عسير، وجازان، ونجران، ثم أخلص إلى توثيق بعض الإيجابيات التي عادت على الأرض والناس من خلال هذا المجال الحضاري المهم. وفي البنود التالية أكتب شيئًا من هذا التاريخ الحديث والمعاصر:

1ــ من يدرس مناقب وحسنات وجهود الدولة السعودية الحديثة(المملكة العربية السعودية) فسوف يطلع على مئات المجلدات والكتب والبحوث العربية والأجنبية التي فصلت الحديث عن نشأة ثم توحيد وتطوير هذا الكيان العربي الإسلامي الكبير. ومن الأعمال المهمة لهذه الحكومة السعودية العصرية تأسيس مؤسسات إدارية حديثة تجمع بين الأصالة والتطوير ومسايرة ما يجري في العالم من تحديث وبناء وتقدم مادي ومعنوي. وكانت القطاعات العلمية والمعرفية والثقافية والإعلامية من أوائل الإدارات الحديثة التي أنشأتها الدولة السعودية الحديثة. وقد قامت بذلك مدركة أنَّ مجتمعها الكبير مازال يعاني من الأمية والتخلف العلمي والمعرفي، ورأت أن تأسيس دولة حديثة يستوجب أن تقوم على أسس متينة، والعلم والتعليم من الركائز المهمة التي يجب توفيرها لتنوير وتطوير العقول البشرية التي تقود البلاد إلى كل عمل صالح ومفيد.

2 ــ من بركات حكومة المملكة العربية السعودية أنَّها جاءت مدافعة ومناصرة للدعوة الإصلاحية التي قامت عليها الدولتان السعوديتان الأولى والثانية. والدارس للأهداف الرئيسية التي جاءت بها تلك الدعوة في القرن (12هـ/18م) يجد أنَّها قامت على منهج التوحيد الخالص لله (عز وجل)، وكل العلماء وأرباب القلم والمعرفة المناصرين للدعوة السلفية الإصلاحية ينطلقون في علومهم ومعارفهم من القرآن الكريم وسنة الرسول (عليه أفضل الصلاة والسلام). وبعد أن ظهر الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل (يرحمه الله) ووحد معظم شبه الجزيرة العربية تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، وصارت المدن المقدسة تحت نفوذ حكومة (المملكة العربية السعودية)، عندئذ جعل مكة المكرمة القاعدة الرئيسية لبداية ثم انطلاق التطوير والتنمية الحديثة في أنحاء البلاد.

3 ــ رأى الإمام عبد العزيز آل سعود أن يؤسس إدارات عامة في مكة المكرمة، وتكون مسؤولياتها التأسيس والتخطيط لبناء دولة حديثة تقوم فيها المؤسسات الإدارية الرسمية بالبناء والإشراف على تطوير البشر والحجر. وأُنشئت مديرية المعارف وكانت المسؤولة عن نشر التعليم الحديث للبنين في ربوع البلاد. وبدأت هذه الإدارة من أربعينيات القرن (14هـ/20م) فأسست المدارس الأميرية (السعودية) الابتدائية الحديثة في مكة المكرمة وماحولها، ثم توسعت في افتتاح المدارس الابتدائية في الخمسينيات والستينيات في أرجاء البلاد السعودية، وكانت مناطق الطائف، والباحة، وعسير، وجازان، ونجران من أوائل المناطق التي أنشئت فيها عشرات المدارس الابتدائية والمتوسطة. وفي السبعينيات تطورت مديرية المعارف إلى وزارة، ونقلت من الحجاز إلى الرياض، وتضاعفت أعداد المدارس، وأسست بعض إدارات التعليم في جنوب البلاد السعودية. وفي مطلع الثمانينيات افتتحت مدارس البنات في بعض مدن وحواضر عسير، وجازان، ونجران، والباحة. وصارت الرئاسة العامة التعليم البنات تشرف وتطور وتتابع مسيرة مدارس البنات في كل مكان، وأنشئت إدارة تعليم البنات في أبها حتى تتولى الإشراف على جميع مدارس البنات في عسير، وجازان، ونجران. أما منطقة الباحة، والطائف، والقنفذة، والليث فكانت إدارة تعليم البنات في المنطقة الغربية تشرف على تعليم البنات في هذه النواحي. واستمر التعليم العام للبنين والبنات في تطور رأسي وأفقي حتى نهاية القرن الهجري الماضي.

4 ــ جاء هذا القرن (15هـ/20ــــ21م)، وخلال بضعة عقود(1400ــ 1446هـ/ 1980ــ2025م) حدثت تطورات تنموية كثيرة وكبيرة، وتوسع قطاع التعليم العام في جميع بلدان تهامة والسراة. وصارت مدارس البنات والبنين بالآلاف، أما أعداد الطالبات والطلاب، والموظفات والموظفين، والمعلمات والمعلمين أصبحت في خانة مئات الآلاف. ومن يبحث في مجال المقرات (المدارس، والإدارات)، والأنشطة الصفية واللاصفية، والمصروفات والنفقات فذلك باب واسع يكتب فيه مئات الكتب والدراسات. ولو بحثنا أكثر في أنواع المدارس ومجالات التعليم العام، فسوف نجد العديد منه مثل: مدارس التعليم العام، ومدارس تحفيظ القران، ومدارس أهلية، ومدارس فنية وتقنية ومهنية، ومدارس صحية، ومدارس تخصصية لذوي الإعاقة، ومدارس أخرى تخدم شرائح متنوعة في المجتمع. وقد زرت الكثير من هذه الميادين والقطاعات خلال الأربعين سنة الماضية(1405ـــ 1445هـ/1985ــ2024م)، وجمعت مئات السجلات، والتقارير، والوثائق التي تعكس شيئًا من مسيرة التعليم العام في جنوب المملكة، آمل أن أجد الوقت والعزم والصحة لدراسة هذه المصادر والمراجع وإخراجها في دراسة علمية عامة عن تاريخ التعليم العام في هذه البلاد خلال المئة سنة الماضية (1345ــ 1446هـ/ 1926ــ2025م).

5 ــ تطور التعليم العام للبنات والبنين في مناطق السروات وتهامة، وصار الكثير من الطالبات والطلاب يذهبون من بلدانهم إلى مدن الرياض، وإلى المنطقتين الشرقية والغربية من أجل مواصلة دراساتهم العليا، وكانوا يعانون كثيرًا في أسفارهم وإقاماتهم في تلك البلدان. وفي تسعينيات القرن الهجري الماضي كان لأهل منطقة عسير وفي مقدمتهم أمير المنطقة، الأمير خالد الفيصل، جهود عديدة ومطالبات حثيثة تهدف إلى افتتاح كليات جامعية في المنطقة، وقد نجحوا في ذلك فافتتحت أول كليتين (الشريعة واللغة العربية، والتربية) في مدينة أبها عام (1396هـ/1976م)، وكانت الأولى تتبع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، والثانية لجامعة الرياض (الملك سعود). وكان تأسيس هاتين المؤسستين الجامعيتين فتحًا عظيمًا على عموم سكان تهامة والسراة؛ لأنَّه تلا ذلك خلال العقدين الأوليين من هذا القرن (15هـ/20م) تزايد أعداد كليات البنين والبنات في مناطق عسير، وجازان، والباحة، ونجران، والطائف، والليث، والقنفذة، ودرس فيها آلاف الطالبات والطلاب، وقام على تدريسهم آلاف العضوات وأعضاء هيئة التدريس ومعظمهم غير سعوديين، وتعددت التخصصات. وفي نهاية العقد الثاني من القرن الحالي، حدث الفتح الكبير الثاني، فأُنشئت في أبها الجامعة الحكومية الثامنة (جامعة الملك خالد)، ولم يكن الهدف من تأسيسها خدمة منطقة عسير فحسب، وكان ضمن خططها نشر التعليم الجامعي في مناطق عسير، وجازان، ونجران.

6 ــ عاصرت نشأة وتطور التعليم العالي في جنوب المملكة العربية السعودية، وكنت طالبًا ثم أستاذًا في هذا القطاع حوالي خمسين عامًا (1396ــ 1445هـ/1976ــ2024م)، وشاهدت وعرفت الكثير من الجهود الكبيرة التي بذلتها الدولة في تأسيس وتطوير الكليات الأولى، ثم الجامعات المحلية (جامعة الملك خالد، وجامعات جازان، ونجران، والباحة، والطائف، وبيشة)، ولكل جامعة تاريخ طويل ومتنوع، ومع أنني دونت بعض الكتب والبحوث في تاريخ التعليم الجامعي في بعض بلدان تهامة والسراة، إلَّا أنَّ هذا القطاع الكبير والمهم والحيوي مازال غير مدروس، وتاريخه غير موثق. آمل من المسؤولين في هذه الجامعات التهامية والسروية أن يدعموا ويشجعوا من يجمع ويوثق ويحلل تاريخها ومنجزاتها وآثارها، وهذا العمل يعتبر من أهم الأمور والواجبات التي يجب تحقيقها.

7ــ جمعت مئات التقارير السنوية الخاصة بالجامعات السروية والتهامية، واطلعت على آلاف المذكرات، والوثائق، والخطابات التي تعكس شيئًا من تطور هذه المؤسسات التعليمية العالية، واتضح لي الاهتمام الكبير الذي حققته الدولة من أجل دعم وتطوير التعليم الجامعي في أرجاء البلاد عمومًا، وفي جنوب المملكة العربية السعودية خصوصًا. كما زرت معظم إدارات تعليم البنات والبنين في الطائف، والباحة، وعسير، وجازان، ونجران. والتقيت بالمئات من المعلمين وأساتذة الجامعات، ووجدت كمًا هائلًا من المصادر والمراجع التي فصلت الحديث عن منجزات هذا المجال الحضاري الحديث. ومن يتخصص في دراسة هذا التاريخ الحديث والمعاصر فسوف يطلعنا على صفحات مكتوبة مزدهرة تعيشها مناطق جنوب البلاد السعودية من خمسينيات القرن الهجري الماضي إلى الأربعينيات من هذا القرن (15هـ/20م). وكما أشرت في مقدمة هذا المقال أنَّ الهدف الذي أريد تحقيقه، رصد شذرات من الآثار الإيجابية التي نتجت عن مسيرة التعليم العام والعالي في عسير، وجازان،ونجران، والباحة منذ البداية حتى وقتنا الحاضر، وفي المحاور التالية أوثق شيئًا من ذلك:

أ ــ كانت الأمية سائدة في أرجاء البلاد، والذين يستطيعون القراءة والكتابة يعدون على الأصابع. وعند افتتاح المدارس السعودية الأولى في الطائف، والظفير، وأبها، وجازان، وبيشة، ومحايل عسير، والقنفذة، والنماص، ورجال ألمع، وخميس مشيط بدأ التعليم يسري بين الناس، وبدأت أعداد القادرين على القراءة. واستمرت توعية الناس وتنويرهم علميًّا وتعليميًّا، وثقافيًّا، وتوعويًّا، ودينيًّا ولم نصل إلى نهاية القرن الهجري الماضي، إلَّا والجهل والأمية تراجعت بشكل كبير، ونسبة المتعلمين تعليمًا جيدًا ازدادت. وقرأت في بعض الوثائق وشاهدت الناس في ثمانينيات القرن (14هـ/20) يجدون صعوبة شديدة في العثور على من يقرأ ويكتب لهم رسائلهم الخاصة التي يرسلونها إلى أقاربهم في أمكنة أخرى من المملكة، وكانت هذه المشكلة منتشرة في البوادي والقرى والأرياف، أما المدن الكبيرة فأحوالها أفضل من غيرها خلال العقود الوسطى من القرن الهجري الماضي، وفي نهاية القرن نفسه، وبدايات هذا القرن (15هـ/20م) صار القراء والمتعلمون موجودون في كل مكان. وخلال الثلاثين سنة الأخيرة (1415ـ 1446هـ/1995ـ 2025م) أصبحت المدن، والقرى، والأحياء، والمنازل مليئة بالمتعلمين تعليمًا جامعيًّا أو عاليًا. وهذا بفضل الله (عز وجل) ثم جهود المدارس والكليات والجامعات الحكومية التي حاربت الجهل والأمية ونشرت النور والعلم والثقافة في كل مكان.

ب ـ كانت سياسة الدولة تأهيل كوادر بشرية متعلمة تقود مسيرة الحياة في كل المجالات. واطلعت على آلاف الوثائق التي يعود تاريخها إلى العقود الوسطى من القرن (14هـ/20م)(1340ـ1370هـ/1921ـ1950م) فكان معظم العاملين في المؤسسات الحكومية في مناطق جنوب المملكة من المتعلمين الحجازيين وبعضهم من نجد، والسرويين والتهاميين مازالت أعدادهم قليلة، لكنهم زادوا وتضاعفوا تدريجيًّا مع انتشار التعليم الحديث في البلاد. وكان للمدارس الابتدائية والمتوسطة دور جيد في تخريج بعض الطلاب الذين ساهموا في سير التنمية التعليمية والإدارية والمالية والدعوية. وشاهدت خلال الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي بعض أبناءعسير، وجازان، ونجران، والباحة يتولون وظائف تعليمية، وإدارية ومالية في العديد من الإدارات المحلية. كما كانت نسبة المتعاقدات والمتعاقدين عالية في العديد من الإدارات المدنية وأحيانًا العسكرية. أما هذا القرن (15هـ/20ـ21م) فقد تغير الحال؛ لأنَّ المدارس والمعاهد، والكليات، والجامعات خرجت آلاف الطالبات والطلاب الذين التحقوا بالكثير من القطاعات الحكومية والأهلية.

ج ــ عشت، وشاهدت، وعملت في قطاع التعليم العالي من نهاية القرن الهجري الماضي إلى الآن. وخلال العشرين سنة الأخيرة (1425ـ 1445هـ/2004ـ 2024م) أتجول في أرجاء السروات وتهامة، وأزور مؤسسات التعليم العام والعالي، وأتردد على العديد من الإدارات الحكومية والأهلية الأخرى، ورأيت في جميع هذه القطاعات آلاف الموظفات والموظفين السعوديين، ومعظمهم يحملون شهادات جامعية، والأكثرية درسوا في مدارس وكليات وجامعات السروات وتهامة، ومنهم المعلمات والمعلمين، والإداريات والإداريين، وعشرات المجالات الوظيفية الأخرى المالية، والفنية، والهندسية، التقنية، والبرمجيات. كما عاصرت الحراك التعليمي والوظيفي في مناطق عسير، والباحة، وجازان، ونجران من عام (1395ـ1420هـ/ 1975ـ 1999م) فكان العاملون في القطاعات الرسمية والأهلية من السعوديين وفيهم أعداد جيدة من التهاميين والسرويين. وإلى جانبهم الكثير من الأيدي الوافدة من بلدان عربية وإسلامية وأجنبية. وكانت نسبة النساء السعوديات قليلة حتى عشرينيات هذا القرن (15هـ/21م)، وفي الثلاثينيات أصدرت الدولة الكثير من اللوائح التي تمكن المرأة من العمل في مجالات عديدة عسكرية ومدنية، وبالتالي صار أعداد الموظفات السعوديات كثيرة جدًا. وأكثرهن يحملن درجات علمية عالية، وغالبية الذين شاهدت خلال العشر سنوات الأخيرة (1435ــ1445هـ/ 2014ـ 2023م) من خريجات الكليات والجامعات المحلية.

د ــ إنَّ قطاع التعليم، والفكر، والإعلام، والثقافة من أكثر الميادين التي استفادت من بدايات ثم تطور التعليم العام والعالي في أنحاء المملكة العربية السعودية. والمناطق الجنوبية فازت بالنصيب الكبير، فقد درس في مدارسها وكلياتها وجامعاتها بنات وأبناء هذه البلاد، ثم تدرجوا في سلم المعرفة، وتخصصوا في شتى المجالات الأدبية والعلمية، وصار منهم الكثير من المعلمين وأساتذة الجامعات المميزين، وتخرج فيهم العسكريون المبدعون، والأطباء، والمهندسون، والمخترعون البارعون ولم تكن آثارهم الإيجابية محصورة في بلدانهم التهامية والسروية، بل تجدهم منتشرين في أرجاء الوطن ومنهم أعداد غير قليلة ذهبوا للدراسة خارج المملكة في بلدان عربية، وإسلامية، وأجنبية فأبدعوا في تخصصاتهم، وحققوا براءات، وشهادات، ونتائج مميزة وعالية، ثم عادوا إلى بلادهم (المملكة العربية السعودية) فساهموا في مسيرتها التنموية الحديثة والمعاصرة. وقد زرت معظم الجامعات السعودية خلال الثلاثين سنة الأخيرة (1415ـ 1445هـ/1995ـ 2024م). وحضرت مؤتمرات وندوات كثيرة، واطلعت على الكثير من الكتب الجامعية، والتقارير الأكاديمية، والرسائل العلمية فوجدت نهضة عظيمة شملت عموم البلاد، وكان لبنات مناطق عسير، وجازان، والباحة، ونجران ريادة وإسهامات في ميادين علمية وتعليمية ومعرفية وإعلامية وثقافية يصعب حصرها في عشرات الصفحات وتستحق أن توثق في الكثير من الكتب والبحوث العلمية. واجتهدت في جمع بعض المعلومات عن النتاج العلمي للسرويين والتهاميين داخل البلاد السعودية وخارجها فوجدت إحصائيات كبيرة جدًا من الكتب والبحوث، وبراءات الاختراع، والأعمال النقدية، ولو جمعت كل هذه الحصيلة العلمية ودونت في أعمال توثيقية فسوف تصدر في عشرات المجلدات الببليوجرافية.

هـ ـ كان للتعليم العام والعالي آثار كثيرة على حياة الناس الاجتماعية، فزاد الوعي، وتحسنت أوضاع المجتمعات المادية، وتطورت ميادين اللباس والزينة، وبناء المنازل وتنوع الأثاث، وحياة الرفاهية في الطعام والشراب، وتداخل وزيادة الأنشطة الاجتماعية المختلفة الفردية والأسرية والمجتمعية، وامتزجت وتداخلت الثقافات واللهجات والفنون الشعبية والألعاب الرياضية. وكيف لا يحصل كل هذا النمو والتطور، ووزارات المعارف، والتعليم العالي، والرئاسة العامة لتعليم البنات، وغيرها من المؤسسات التعليمية والأكاديمية يوجد ضمن خططها برامج متنوعة، وإدارات وأقسام ووحدات متخصصة في الإشراف والدعم والتشجيع للأعمال والأنشطة الاجتماعية التي تصب في تطوير حياة الناس العامة والخاصة الحكومية والأهلية ومن يعكف على دراسة آثار التعليم على الحياة الاجتماعية خلال الدولة السعودية الحديثة فإنه سوف يجد مادة علمية كبيرة تصدر في عشرات الكتب والأعمال العلمية التوثيقية الكبيرة.

و ـ كان ومازال التعليم العام والعالي، الحكومي والأهلي من الأسس الرئيسية لتطوير الحياة الاقتصادية. وقد عاصرت التعليم العام ثم العالي خلال العقدين الأخيرين من القرن الهجري الماضي وأثناء هذا القرن (15هـ/20ـ21م) فكان الاقتصاد ينمو ويتطور تدريجيًّا، ومخرجات التعليم محركات رئيسية في النهوض بالاقتصاد على جميع الأصعدة. وعندما كانت ميزانيات التعليم محدودة في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي كان هناك بعض الصعوبات والمعوقات، وبعد تحسن الأوضاع المالية زادت المصروفات والنفقات، وتكاثرت المدارس، والمعاهد، والكليات، والجامعات. وزادت الطاقة البشرية التي تخرجت في مؤسسات التعليم المختلفة، وبالتالي عاد خيرها وبركتها على دعم وتطور الحياة الزراعية والرعوية. ومن يدرس آثار التعليم على الاقتصاد في مناطق عسير، وجازان، ونجران، والباحة من نهاية القرن الهجري الماضي إلى الآن فإنه سوف يحقق نجاحًا في المسيرة البحثية والتوثيقية، وأرجو أن تقوم مراكز البحوث الجامعية في تهامة والسراة بتحقيق ذلك.

ز ـ من خلال المعاصرة والسير في مناكب مناطق جنوب البلاد السعودية من تسعينيات القرن الماضي إلى الآن (1446هـ/2025م)، فقد شاهدت العديد من الميادين الحضارية التي تطورت، وكان التعليم العام والعالي من الروافد الرئيسية في هذه الميادين التنموية. ومن تلك القطاعات الحياة الطبية والصحية، والأنشطة السياحية والترفيهية، وفي ميدان المواصلات، والاتصالات، والتقنية، وفي التواصل الحضاري المتنوع مع أرض وسكان تهامة والسراة وغيرها من بلدان المملكة العربية السعودية، أو شركات، ومؤسسات، أو أفراد ومجتمعات عربية وإسلامية وأجنبية. وكل هذا الفضل والخير الذي نراه مبسوطًا ومنتشرًا في كل مكان يعود إلى توفيق الله (عز وجل) ثم إلى جهود هذه الدولة المباركة (المملكة العربية السعودية) حكومة وشعبًا الذين يعملون جميعًا على خدمة دينهم وبلادهم ومقدساتهم وبلدانهم الصغيرة والكبيرة. وكل هذه المحاور جديرة أن تدرس في عدد من البحوث والرسائل العلمية الجامعية.

ح ـ قد يقول قائل إنَّ هذا المقال مختصر فلم يأت على جميع الآثار الإيجابية الرئيسية التي تحققت من قطاع التعليم العام والعالي خلال قرن من الزمن. ومن يقول ذلك فقد ذكر الحقيقة؛ لأنَّ هذا موضوع واسع ويتسع لعشرات الكتب العلمية المطولة والجادة. ورأيت إدراجه في هذه الورقات المحدودة مع الإصرار والتوصية بأنَّه من العناوين الجديدة والمهمة التي تستحق أن تكون مشروعًا بحثيًّا كبيرًا. ولا يستطيع القيام به إلَّا فريق عمل متخصص، ومن جهة علمية أكاديمية رسمية تدعم وتشجع وتشرف على هذا العمل، وأرجو أن نرى في جامعاتنا المحلية (الملك خالد، وجازان، ونجران، والباحة، والطائف، وبيشة) من يتبنى هذا المقترح الذي أعتقد أنَّه يعود بالفائدة والخير على إنسان تهامة والسراة. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين محمَّد بن عبد الله (عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم).

وسوم: العدد 1118