سوريا: حكومة جديدة وتحديات هائلة!

إضافة إلى الاهتمام العربي والأجنبي الذي ناله إعلان حكومة جديدة في دمشق، فقد حظيت المراسيم التي أحاطت بهذه الواقعة باهتمام شعبي كبير عبّر عنه حجم التعليقات الكبير في وسائل التواصل الاجتماعي، والنقاشات التي أثارها بيان الحكومة الذي تلاه أحمد الشرع، رئيس الجمهورية، وأسماء الوزراء، وخلفياتهم، ومدى تمثيلهم للمكونات السياسية والطائفية والإثنية السورية.

تحوّل إعلان الحكومة إلى حدث سياسيّ يتنازع حوله السوريون، فلاحقوه بالتعليق والنقاش العام المفتوح، وتابعها المهتمّون بالشأن السوري العرب والأجانب عبر التلفزيونات ووسائل التواصل الاجتماعي، في مشهد لم يكن له نظير، على الأغلب، في 54 عاما، هي عمر الحقبة الأسدية التي ناخت باستبدادها الفظيع على الجغرافيا السورية وما حولها.

أظهر الرئيس السوري أحمد الشرع، في الخطب القصيرة القليلة التي ألقاها منذ تولّيه السلطة، فارقا ملحوظا هائلا عن المطوّلات المتعالمة والفوقية المثيرة للسخرية التي كان يلقيها بشار الأسد، رئيس النظام السابق، وكان ذلك واضحا في بيان الحكومة الجديدة، التي سيرأسها بنفسه.

تحدث الشرع، عن «ميلاد مرحلة جديدة» ولكنها «عصيبة» مشيرا إلى أن الحكومة ستجسد «الإرادة المشتركة» للسوريين، وقدّم محاور عملية لخطته، ركّزت على ظروف هذه المرحلة العصيبة وحاجات السوريين، ومن ذلك الحديث عن إصلاح قطاع الطاقة، لـ«توفير الكهرباء على مدار الساعة» ورعاية المزارعين «للحفاظ على الأمن الغذائي» و«تأهيل الصناعة» و«إصلاح حالة النقد» وإنشاء وزارة جديدة للطوارئ والكوارث، وكلّها قضايا تستجيب للقضايا الأساسية التي تشغل السوريين.

الفارق الكبير لهذه الحكومة عن سابقاتها في العهد السابق، يمثّله الطابع الإسلامي العامّ، والذي عبّر عنه احتفاظ 4 من الحكومة الانتقالية السابقة التي شكّلت بعد سقوط نظام الأسد بمناصبهم، وهم من «الحلقة الأساسية» التي جاءت مع الشرع، وأن 8 من وزراء الحكومة سبق أن عملوا في «حكومة الإنقاذ» في إدلب.

أظهر التشكيل اهتماما بتحقيق مطالب دولية، بالتعبير عن المكوّنات الأخرى في سوريا، فدخلت الوزارة السيدة هند قبوات، من الطائفة المسيحية، كوزيرة للشؤون الاجتماعية، وأمجد بدر، من الموحدين (الدروز) كوزير للزراعة، ويعرب بدر، من الطائفة العلوية، كوزير للنقل، ومحمد عبد الرحمن تركو، الكردي، وزيرا للتربية والتعليم.

عني تشكيل الحكومة باستقطاب أصحاب الخبرات والشهادات العلمية، فضمت 7 من حاملي شهادات الدكتوراه، و5 من حملة الماجستير، و4 أطباء، و5 من حاملي شهادة البكالوريوس، وشغل 18 من الوزراء مناصب ضمن مجالات اختصاصاتهم.

قدم عدد من الوزراء إلى الحكومة من مجالات عملهم في بلدان الخليج العربي (مثل عبد السلام هيكل المعين وزيرا للاتصالات والتقانة) وتركيا (وزير الإعلام حمزة مصطفى) وهو ما يظهر اهتماما بإشارة الشرع، في بيانه، إلى «الحفاظ على استقرار العلاقات الخارجية مما يؤمن المصالح المستدامة لسوريا وأصدقائها» كما أن لعدد من الوزراء خبرات دولية (مثل نضال الشعار الذي عمل مستشارا اقتصاديا في البنك الدولي في أمريكا، ويعرب بدر، الذي شغل منصب المستشار الإقليمي للنقل واللوجستيات في لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لغرب آسيا).

أظهر تشكيل الحكومة اهتماما بالشباب الذين شغلوا عددا من الوزارات، وانضافت وزارة لهم (الشباب والرياضة) وكانت هذه الروحية الشبابية واضحة في بعض بيانات الوزراء، مثل محمد صالح، المعيّن وزيرا للثقافة، والذي ألقى أبياتا شعرية، وعبد السلام هيكل الذي أشار، مازحا، لاضطراره لاستخدام تطبيق الذكاء الاصطناعي «تشات جي بي تي» لاختصار كلمته.

كان لافتا، أيضا، أن أحد الحضور، الشيخ العشائري سعود نايف النمر، قام بانتقاد الشرع علنا أمام الحضور، وقد أجاب الشرع على الانتقاد بهدوء، وهي حادثة لم يكن من الممكن تخيّل تداعياتها، أو مجرّد حدوثها، في سياق نظام الأسد السابق، وهو ما كان مجالا إضافيا للتفكر والتعليق لدى السوريين الذين تابعوا المراسم.

نشر حادث تشكيل الحكومة، رغم الظروف «العصيبة» المحيطة بها داخليا وخارجيا، آمالا لدى السوريين بالتغيير والبناء اللذين وعد بهما بيانها، والكلمات الحماسية التي ألقاها الوزراء، ولكنّه رفع مستوى التوقعات المدعومة بإحساس بالأهلية على المحاسبة التي تدرّب السوريون عليها خلال سنوات الثورة العاصفة الطويلة، وهو ما يضع الحكومة الجديدة أمام مسؤوليات كبيرة لتحقيق وعودها.

وسوم: العدد 1122