خواطر من داخل قصر الشعب
في أثناء مشاركتي في مؤتمر الحوار الوطني الذي عقد في دمشق يوم الثلاثاء: ٢٥/ ٢ / ٢٠٢٥م، لوضع الأطر والمبادئ العامة لمستقبل سورية، بعد سقوط وخلع نظام الأسد.
فاجأنا سائق الحافلة التي أقلَّتنا أنَّه لا يعرف الوصول إلى قصر الشعب، مكان انعقاد جلسات المؤتمر، فقلت في نفسي: إنّ السوريين يعرفون موقعه ولكنّهم كانوا مغيبين عنه وعن كيفية الوصول إليه، إذْ الاقتراب من هذه المواقع من سابع المستحيلات، أو كما يقولون: دونَهُ خَرطُ القَتاد؛ مع الملاحظة أنّه (قصر الشعب).
جلستُ أتأمَّل في الجدران والأروقة الفخمة، وأفكر في نفسي فيما إذا كان هذا الذي أنا فيه جزء من أحلام اليقظة، أو هو أمر واقع يعيشه مئات المشاركين في مؤتمر الحوار الوطني الذين تعجُّ بهم الأروقةُ وقاعاتُ الاجتماعات.
جلسْنا نتحدثُ في القصر الجمهوري عن العدالة الانتقالية، وكان معنا آباء وأمهات وأشقاء وأبناء الضحايا، الذين نالهم ما نالهم خلال أربعة وخمسين سنة من حكم الأسرة الأسديّة.
جلسنا نتحدث عن المحاسبة، وعن إعادة بناء الجيش وأجهزة الأمن، وعن ضمان ألّا تتدخل هذه الأجهزة ثانية في الحياة السياسية.
جلسنا نتحدث عن النظام السياسي للبلد، ولا أحد يشعر بالخوف من الحديث في أمر كان من المحرمات لدى السوريين.
كنا نمزح مع عناصر الأمن، نسألهم عن حياتهم، ونتجول في أروقته وكأننا في بيتنا؛ لا بلْ حتى صلينا الظهر والعصر (قصرًا وجمعًا)!!!!!
إنّه شعور لا يوصف، هي لحظة أقرب إلى الخيال.
لقد رسمنا بحكم المحور الذي طلبنا الحديث فيه (العدالة الانتقالية) ملامح هذه العدالة بشكل تجاوز ما قرأناه عن تجارب الدول التي عاشت أحداثًا وصراعات أهلية، لدرجة أنّني أجزم أنّنا قد صغنا رؤية تميزنا عنهم، وتجعلنا في موضع احترام وتقدير ممن سيطلع عليها حين صدور كتيب المؤتمر، وستذكرنا الأجيال القادمة من أبنائنا وأحفادنا، وستضع لبنات لعدالة تنصف الضحية بشكل يليق بتضحياته التي قدمها للوصول إلى هذه اللحظة التاريخية.
أشعر بالفخر مع أسرتي الصغيرة أنّني سأُذكَرُ في سجلات تاريخ سورية، بأنّني شاركت في رسم ملامحها السياسية لعقود قادمة مديدة، يسودها العدل والمساواة، والحوكمة والحكم الرشيد.
وسوم: العدد 1117