من سروات ظهران الجنوب وقحطان إلى زهران والطائف (قراءات، ومشاهدات، وانطباعات)

أ.د. غيثان بن علي بن جريس

fgsfg1102020.jpg

​إنَّ السروات الممتدة من سراة قحطان وظهران إلى سراة غامد وزهران والطائف تُقدر المسافة بينهما بـ (650) كيلًا، وتعد من المستوطنات البشرية التي يعود تاريخها إلى آلاف السنين قبل الإسلام. لقد وُلدْتُ وعشت في أكناف هذه البلاد أكثر من ستة عقود ونصف، وعندما تخصصت في علم التاريخ والتراث والحضارة العربية والإسلامية من منتصف تسعينيات القرن الهجري الماضي إلى وقتنا الحاضر (1446هـ/2025م) . واجتهدت في البحث عن التاريخ والحضارة القديمة والإسلامية المبكرة والوسيطة لهذه المرتفعات المترابطة بعضها ببعض، والمتفاوتة في ارتفاعاتها، وأشكالها، وطبيعة سكانها وأرضها ، وما تشتمل عليه من مصادر طبيعية ظاهرة وباطنة. وخرجت بالعديد من الصور العامة ذات الصلة المباشرة وغير المباشرة بأرض وإنسان هذه البلاد عبر عصور التاريخ المختلفة، وفي المحاور التالية أوثق شيئًا مما عرفته وتوصلت إليه:

أولًا: هذه البلاد جزءٌ من جبال السروات، أو الحجاز الممتدة من بلاد الشام إلى أقصى اليمن. وعلماء الجغرافيا واللغة والأدب الأوائل وغيرهم فصلوا الحديث في امتداد هذه المرتفعات، وما تحتوي عليه من تقسيمات جغرافية وأحيانًا سكانية. وورد تباينات كثيرة في أقوالهم وأطروحاتهم، وذلك بسبب الاختلافات الجغرافية الظاهرة على هذه الجبال الحجازية، وبخاصة في أشكالها وما يحيط بها من ظروف مناخية وبشرية. ويتضح ذلك في طبيعة الأرض من مكة المكرمة إلى بلاد الشام، فهي مختلفة في أشياء عديدة مع جبال الحجاز الممتدة من الطائف إلى بلاد غامد وزهران ثم بقية المرتفعات المترابطة جنوبًا حتى سراة قحطان وظهران الجنوب وما بعدها من سروات اليمن. ونجد العديد من أقطاب اللغة العربية والجغرافيين القدماء يوردون مصطلحات ومسميات عديدة عن جبال الحجاز أو السروات ومنهم من قسمها إلى مرتفعات الحجاز الشمالية والجنوبية، وغيرهم قالوا: جبال الحجاز الوسطى، وبعضهم أطلق على بعض السروات، وبخاصة الممتدة من الطائف إلى قحطان وصعدة اسم (الجبل الأسود)، وهناك شروحات كثيرة عن تعريف جبال الحجاز، وجميعها مبسوطة ومشروحة في عشرات المصادر من كتب التراث الإسلامي. ومعظمهم أكدوا على أنَّ جبال أو مرتفعات الحجاز تعد الحاجز الطبيعي الفاصل بين سهول تهامة وسواحلها في الغرب، والصحاري والفيافي والسهول الشرقية الممتدة إلى وسط وشرق شبه الجزيرة العربية.

ثانيًا: من يبحث عن جبال الحجاز (السروات) ومرتفعاتها المذكورة في عنوان هذه المقالة في عصور ما قبل الإسلام، فسيجد توثيقات قديمة وحديثة تشرح جزئيات من تاريخ وحضارة البلاد والعباد في الأجزاء الجنوبية والشمالية من الجبال الحجازية. فالناحية الجنوبية من نجران وصعدة إلى أقصى اليمن جنوبًا صدر عنها عشرات المصادر والمراجع التي أرخت لهذه البلاد من عصر ما قبل التاريخ إلى فترة ظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي. وكذلك الوضع نفسه حدث لجبال الحجاز وأهلها من مكة المكرمة إلى مدن الشام الرئيسية. وفي هاتين الناحيتين قامت دول وإمارات سياسية وحضارية منذ العصر الحجري إلى بداية ظهور الإسلام. والسؤال الذي يفرض نفسه، كيف كانت أحوال جبال الحجاز (السروات) الوسطى، وأخص بذلك المرتفعات الممتدة من الطائف إلى نجران، وقحطان، وصعدة قبل الإسلام؟ والإجابة على هذا السؤال: أننا لا نعرف توثيقات أو معلومات واضحة تبين لنا تاريخ هذه البلاد، وأحيانًا نجد في بعض المصادر الكلاسيكية القديمة، أو الإسلامية المبكرة إشارات غير دقيقة ولا كاملة عن أمكنة في هذه السروات وتعتبر ظاهرة التجاهل وعدم ذكر أي شيء عن حياة الناس في هذه الأوطان هي السائدة والعامة في كل المجالات.

ثالثًا: ليس هناك أدنى شك أنَّ هذه الجبال مأهولة بالسكان منذ آلاف السنين. وصدر خلال المئتي سنة الأخيرة، من منتصف القرن (13هـ/19م) إلى وقتنا الحالي بعض الدراسات التنقيبية والأثرية التي أثبتت من خلال النقوش والكتابات والرسومات الصخرية، وشيئًا من الآثار المدفونة إلى أنَّ هذه السروات مسكونة، وفيها حياة بشرية وحضارية منذ العصور الحجرية، وما تلاها من عصور حتى القرنين السادس والسابع الميلاديين.

رابعًا: جاء عصر الإسلام، ونزل القرآن الكريم على الرسول (صلى الله عليه وسلم)، ثم توفرت المصادر والروايات من الأحاديث الشريفة الصحيحة، وجاء مؤلفون كثيرون في العلوم الشرعية والسيرة النبوية، والمصادر اللغوية والأدبية، والتاريخية والحضارية، والجغرافية وكتب الرحلات، والطبقات والتراجم، والموسوعات الإسلامية المبكرة والوسيطة وغيرها، وجميع كتبهم احتوت على معلومات متفرقة رصدت مقتطفات من حياة أهل السراة القاطنين في جبال الحجاز من الطائف إلى غامد وزهران، وعسير، وشهران، وقحطان وما جاورهم في أعالي الجبال.​ ونجد القرآن الكريم يذكر في أكثر من مكان مواضع في السروات من الطائف إلى اليمن . قال تعالى : ( وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ) [ الزخرف : 31] . والمقصود بالقريتين ( مكة ، والطائف ) . وإذا كانت الطائف إحدى قرى جبال الحجاز ، فهناك آية أخرى أشارت إلى القرى الحجازية من اليمن إلى الشام . قال تعالى: ( وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ ) [ سبأ:18]. وذكر بعضُ المفسرين المقصود بالقرى الظاهرة أي الموجودة في السروات الممتدة من بلاد اليمن إلى أرض الشام (الأردن، وفلسطين، وغيرها).أما كتب السنة النبوية ففيها الكثير من الأحاديث الصحيحة التي اشتملت على مادة علمية عن معالم جغرافية وأعلام بشرية في ديار السروات الممتدة من الطائف إلى صعدة. وكذلك كتب اللغة العربية والأدبية، والمعاجم اللغوية، والدواوين الشعرية يوجد فيها تفصيلات جيدة عن أمكنة، وشعراء، وقصص كثيرة عن حياة السرويين قبل الإسلام وبعده. وكتب الرحالة والجغرافيين المسلمين الأوائل من أفضل المصادر التي حفظت لنا تواريخ متنوعة عن سكان المرتفعات الجبلية الواقعة بين حواضر اليمن والحجاز الكبرى. ومن أفضل أولئك الجغرافيين في العصر الإسلامي الوسيط أبو محمد الحسن الهمداني (ق3 ـــ ق4هـ/ق9ــ 10م)، وجمال الدين أبو الفتح المعروف بابن المجاور (ق7هـ/13م) وغيرهما فقد حفظوا لنا معلومات قيمة عن أرض وسكان السراة من ظهران الجنوب وقحطان إلى زهران والطائف. وأكد الهمداني على قدم تاريخ هذه القبائل التي تسكن السروات، وأنَّ كل قبيلة تنسب إلى سراتها، وهي من الشمال إلى الجنوب: سروات الطائف، وسراة فهم وعدوان ، وسراة بني مالك، أو سراة بجيلة، وسراة غامد وزهران، وسروات خثعم وشمران، ثم سراة الحجر، ثم سراة عسير(عنز)، وأجزاء من سراة شهران، ثم سراة قحطان ووادعة ، وجاء قبل الهمداني وابن المجاور وبعدهما حتى القرن (12هـ/18م) مؤلفون وعلماء آخرون متفرقون داخل شبه الجزيرة العربية وخارجها فدونوا بعض الأخبار والتوثيقات المحدودة والقليلة عن تواريخ وأحداث وأمكنة في أرض السراة من الطائف إلى مرتفعات قحطان وظهران ونجران.

خامسًا: بقيت هذه البلاد مجهولة ومعزولة علميًّا وتوثيقيًّا خلال العصر الإسلامي الوسيط وبدايات العصر الحديث (ق3ـــ ق12هـ/ق9ـــ ق18م)، وهذا مما جعلنا في حيرة وعجز كبير لمعرفة تاريخ وحضارة أهلها. مع أنَّ العالم العربي والإسلامي في هذه الفترة كان يعيش حقبًا من التطور والازدهار، حتى شبه الجزيرة العربية، فقد كان فيها مناطق عديدة، كالحواضر الكبرى في الحجاز واليمن لها تاريخ وحراك حضاري متنوع، وقد وصلنا وعرفنا مئات الصفحات من حياة الحجازيين واليمنيين في تلك القرون الوسيطة والحديثة. أما هذه البلاد المتوسطة بين اليمن والحجاز (سراة وتهامة) فلا نعرف عن حضارة أهلها إلا شذرات بسيطة وغامضة جدًا. والمرتفعات الجبلية (السروات) أقل البلاد والسكان الذين لا نعرف أي شيء عن حياتهم خلال تلك القرون الغابرة.

سادسًا: نجد خلال العصر الحديث والمعاصر (ق13ــ ق15هـ/ق19ــ ق21م) حدوث الكثير من المتغيرات السياسية والحضارية محليًّا، وإقليميًّا، وعالميًّا. ودخلت السروات من الطائف إلى قحطان وظهران الجنوب التاريخ المروي والمكتوب، وأصبحنا نقرأ ونعرف مصادر متنوعة تشتمل على صفحات من تاريخ وحضارة سكان هذه البلاد، ومن هذا التاريخ المطبوع والمخطوط، المنشور وغير المنشور، المحلي والإقليمي والعالمي، ومعظمه مدون باللغة العربية، ومنه المكتوب بلغات عثمانية أو أجنبية كالإنجليزية، والفرنسية، والإيطالية وغيرها من اللغات الأوربية الأخرى. - أشرت في الفقرات والسطور السابقة إلى نقاط عامة عديدة عن جبال السروات وما حولها، وكل محور ذكرته جدير أن يُدرس ويُكتب عنه بحوث وتوثيقات عديدة. وفي الجزء الأخير من هذا المقال، أدون بعض الانطباعات، والمقترحات، والرؤى التي أرى أنّ لها صلة بهذه البلاد المذكورة في هذا العمل التوثيقي، وأذكرها على النحو الآتي:

1- إن السروات المشار إليه في العنوان الرئيسي تُعد العمود الفقري لعموم السروات وتهامة الواقعة بين اليمن والحجاز. فالذاهب في أرجائها يلمس العراقة التاريخية المادية والمعنوية الظاهرة على طبيعتها الجغرافية وتركيبتها السكانية. ويجد أنَّ البلاد الواسعة الواقعة غربها وشرقها تستمد أصولها وعمقها التاريخي والحضاري من هذه المرتفعات السروية من نجران وقحطان إلى زهران والطائف. وللأسف أنَّ تضاريسها الجغرافية الوعرة من الأسباب الرئيسية التي شكلت طبيعة أصولها وأنسابها قبل الإسلام وبعده، وبالتالي بقيت في عزلة اجتماعية لعدة قرون. وكانت القبيلة تدعم وتشجع حياة الانعزال والانطواء، وشيوخ القبائل وأعيانها هم الآمرون الناهون في بلادهم في العصر القديم وخلال القرون الإسلامية المبكرة، والوسيطة، والحديثة حتى العقود الوسطى من القرن (14هـ/20م).

2- إن المؤرخ والباحث الجاد يستطيع استنباط تاريخ البلاد القديم والإسلامي الوسيط، عندما يسير في مناكبها. فهناك المعالم العمرانية القديمة في القرى ومرافقها، والدروب، والأسواق الأسبوعية، والآبار الزراعية، ومواطن التعدين، والحرف والصناعات القديمة، والأدوات الزراعية، وأشياء كثيرة مادية مازالت ظاهرة ومعروفة عند الناس أفرادًا وجماعات، والكثير من هذه المواد تعكس جزءًا من تاريخ أهل السراة عبر أطوار التاريخ.

3- قضيت أكثر من ثلاثين عامًا باحثًا وسائحًا ورحالة في جبال، وهضاب، وحزون، وأودية جبال السراة من قحطان ونجران إلى زهران والطائف، وشاهدت تاريخ كبير مكتوب على الصخور، وشيئًا من هذا التاريخ يروي حياة أهل البلاد في العصر القديم، وصفحات أخرى في القرون الإسلامية المبكرة والوسيطة. ولا تخلو البلاد أيضًا من قرى ومدن حضارية قديمة مدفونة تحت سطح الأرض. أما التاريخ المعنوي الماثل في لغة السكان، ولهجاتهم، وفنونهم، وعاداتهم، وأعرافهم القديمة فتلك صفحة مهمة من تراث وتاريخ وحضارة السرويين على مر التاريخ.

4- كان سكان السروات حتى منتصف القرن (14هـ/20م) معذورين لضعف وتدهور حياتهم السياسية والاقتصادية، وهذا مما جعلهم معزولين متأخرين متخلفين في تطوير أحوالهم المادية والمعنوية، العامة والخاصة، لكن بعد أن صاروا ضمن كيانٍ سياسي حضاري حديث تحت مظلة حكومة المملكة العربية السعودية، عندئذٍ بدأوا حياة تنويرية تطويرية جديدة، وترقوا في سلم الحياة حتى أصبحوا يعيشون في مستوى كله نور وتقدم وازدهار، وبدأنا نرى مؤرخين وآثاريين وباحثين نشيطين يسعون إلى البحث والتنقيب عن موروثهم وتراثهم وتاريخهم وحضارتهم القديمة والوسيطة والحديثة. وهذه كلها مبشرات وعلامات إيجابية قد تُطلعنا على صفحات علمية حقيقية من حضارة السرويين القدماء قبل الإسلام وبعده.

5- نرى في العقود الأخيرة من هذا القرن (15هـ/21م) تطور المجالين الفضائي والتقني. وهذه نعمة عظيمة جعلتنا نطور أنفسنا، ونستفيد من هذا التقدم المعرفي. ويجب على الإنسان العاقل الحصيف، والمسلم الذي يرجو عفو الله ورحمته أن يكون جادًا وحذرًا في استخدام العلوم التقنية وتسخيرها لكل ما هو صالح ومفيد على المستويين العام والخاص، الفردي والجماعي. والذي جعلني أوثق هذه السطور التمهيدية، هو ما أسمعه وأشاهده أحيانًا على منصات التواصل الاجتماعي، وبخاصة كل ما له صلة بتاريخ وحضارة وموروث بلادنا. فهناك الكثير من المدونات والمقاطع الرقمية بالصوت والصورة أو الكتابة والتوثيق، وفي بعضها توثيقات غير صحيحة ولا دقيقة، وتذكر معلومات عن موضوعات تاريخية وحضارية قديمة. وبعض الناشرين أو الرواة يذكرون أقوالهم على أنَّها صحيحة وحقائق لا لبس فيها، وإذا وُضعت تحت النقد والتمحيص العلمي نجدها كذبًا وتدليسًا، وليس فيها أي نسبة من القول والرصد الصحيح. وللأسف أنَّ عامة الناس يسمعون مثل هذه الافتراءات والأقوال الزائفة ويعتمدونها، ويروونها ويدافعون عنها. والمتأمل في كل ما ينشر على وسائل التواصل الاجتماعي، وله صلة بالعلم والمعرفة يغشاه أحيانًا الكرب والحزن للخلط ومجانبة الحق والصواب فيما يقال ويُطرح على عقول الناس، وهذه مشكلة منتشر أثرها وشرها في أرجاء العالم. وآمل أن نرى من بناتنا وأبنائنا المؤرخات والمؤرخين والباحثات والباحثين الجيدين الجادين من يجتهد في دراسة وتوثيق تاريخنا المحلي سواء في بلاد السروات، أو في أي زمان ومكان من بلادنا الغالية (المملكة العربية السعودية). وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

وصلى الله وسلم على رسول الهدى محمد بن عبدالله عليه أفضل الصلاة والسلام .

وسوم: العدد 1120