لو تكلم الصامتون عن أكبر جريمة إبادة في القرن الـ21 لما وصلنا إلى هذا الوضع في غزة

نشرت صحيفة الغارديان مقالًا للكاتب أوين جونز، أشار فيه إلى أنه لم يسبق أن وُثقت جريمة في التاريخ (الحرب على غزة) بهذه الدقة من قبل ضحاياها، ورغم ذلك يسود التراخي والصمت.

وعلى الرغم من توقف الإبادة الجماعية الإسرائيلية مؤقتًا، فإن الفلسطينيين الذين استيقظوا ليلة الاثنين على موجة وحشية من الغارات الجوية، لم يكن استئنافها أقل صدمة لهم. ففي غضون ساعات، قُتل أكثر من 400 شخص، بينهم العديد من الأطفال، في هجوم يُقال إنه تلقى “الضوء الأخضر” من دونالد ترامب. أعقب ذلك عمليات تهجير قسري، ما زاد من احتمالية استئناف العمليات البرية.

تساءل الكاتب: ما مبرر إسرائيل؟ ادعاء مختلق بأن حماس لم تلتزم باتفاق وقف إطلاق النار في يناير، رغم أن إسرائيل نفسها انتهكته مرارًا.

بعد الهجمات، وصفت سي إن إن العدوان الإسرائيلي بأنه “ألقى بظلال من الشك على وقف إطلاق النار الهش”، لكن جونز يعلق ساخرًا: “لا يمكن اعتبار ذلك سوى تحريف صارخ للحقيقة. لم يكن هناك وقف لإطلاق النار من الأساس، فخلاله قُتل 150 فلسطينيًا في غزة وعشرات آخرون في الضفة الغربية، بينما كان القتيل الإسرائيلي الوحيد متعاقدًا قتله الجيش الإسرائيلي بالخطأ، ظنًا منه أنه فلسطيني”.

هذا يوضح كيف يستمر العنف الإسرائيلي بلا هوادة، وسط تجريد الفلسطينيين من حقهم في الحياة. فلو قُتل جندي إسرائيلي واحد على يد مقاوم فلسطيني، لخرجت وسائل الإعلام والسياسيون يعلنون فورًا انتهاء الهدنة، بينما كان الفلسطينيون يُقتلون قبل 7 أكتوبر دون أن يثير ذلك أي اهتمام عالمي، رغم أن 238 فلسطينيًا – بينهم 44 طفلًا – قُتلوا في الأشهر التسعة السابقة.

“كيف استمرت هذه الجريمة كل هذا الوقت؟”

قد تتساءل الأجيال القادمة: “كيف سُمح باستمرار هذه الجريمة طوال هذه الفترة؟”. فقد وثّق الفلسطينيون في غزة تفاصيل إبادتهم عبر الهواتف المحمولة والإنترنت، ونشروا الأدلة على وسائل التواصل الاجتماعي، على أمل أن يحرك ذلك الضمائر. لكن دون جدوى.

على مدى 529 يوما، وثّق الفلسطينيون في غزة تفاصيل إبادتهم عبر الهواتف المحمولة والإنترنت، ونشروا الأدلة على وسائل التواصل الاجتماعي، على أمل أن يحرك ذلك الضمائر. لكن دون جدوى

لمدة 529 يوما، نشر الناجون من غزة أدلة إبادتهم، على أمل، وعبثا أن يحدث توثيقهم وخزا لضمائر تكون كافية لإنهاء الإبادة الجماعية العشوائية.

مشاهد الأطفال الموتى، والآباء المفجوعين، والعائلات التي أُبيدت بالكامل، تكشف حجم الكارثة. طفل ميت يرتدي بذلة قوس قزح وأب حزين يلعب بضفيرة ابنته للمرة الأخيرة وعائلات بأكملها مغطاة بالأكفان تشطب من السجل المدني.

في الأسبوع الماضي، كشف تقرير للأمم المتحدة جرائم إسرائيل بحق الفلسطينيين، ومنها القتل المنهجي للنساء الحوامل، واغتصاب المعتقلين، وتدمير عيادة تلقيح اصطناعي تحتوي على 4000 جنين، في ما وصفه التقرير بأنه “أعمال إبادة جماعية”.

كما كشفت تقارير أخرى عن تدمير إسرائيل المتعمد للبنية التحتية: المنازل، المستشفيات، المدارس، الجامعات، المساجد، والكنائس. كما دُمرت 80% من الأراضي الزراعية، و95% من الماشية، و80% من شبكات المياه والصرف الصحي، ما جعل غزة غير صالحة للحياة.

لهذا، يجمع الخبراء، بمن فيهم منظمة العفو الدولية وعلماء الإبادة الجماعية، مثل عمر بارتوف، الأستاذ الإسرائيلي الأمريكي الشهير عالميا في دراسات الهولوكوست والإبادة الجماعية، على أن إسرائيل ترتكب جريمة إبادة جماعية.

صمت الغرب ودوره في استمرار الإبادة

لم تعترف إسرائيل بجريمتها، بل فرضت حصارًا شاملاً على المساعدات الإنسانية قبل 17 يومًا، في انتهاك واضح للقانون الدولي. بل إن مسؤولين إسرائيليين صرّحوا علنًا بضرورة “إفراغ غزة من سكانها”، في تأكيد على نوايا الإبادة الجماعية.

رغم ذلك، تواصل الدول الغربية دعمها لإسرائيل بالسلاح والدبلوماسية، في حين يُحارب من يفضح هذه الجرائم. فقد أُغلقت حسابات معارضين، وفُصل صحافيون من أعمالهم، واعتُقل البعض لمجرد تسميتهم الأمور بمسمياتها.

كيف يمكن لجريمة موثقة بالأدلة ومعترف بها، جريمة سهّلتها الأسلحة الغربية والدعم الدبلوماسي، أن تستمر كل هذا الوقت؟ لا أحد في الأوساط السياسية أو الإعلامية الغربية يستطيع أن يقول بثقة: “لم أكن أعرف ما يحدث حقا”.

في عالم عقلاني، ينظر فيه إلى مشجعي هذا العمل الشنيع على أنهم وحوش لا مكان لهم في الحياة العامة. لا يمكنك، في نهاية المطاف، تبرير الإبادة الجماعية في رواندا وتتوقع أي شيء غير أن تصبح منبوذا. لكن أولئك الذين عارضوا فساد إسرائيل هم من حظروا من منصاتهم وأُغلقت حساباتهم، وفرضت عليهم الرقابة، وطردوا من وظائفهم، واعتقلوا، وفي حالة خريج جامعة كولومبيا محمود خليل، احتجزوا وربما رحلوا.

وبقلب العالم رأسا على عقب، حقق الهجوم الأكثر وقاحة ومنهجية على حرية التعبير في الغرب منذ المكارثية هدفه الأساسي: الصمت واسع النطاق على جريمة ذات أبعاد تاريخية بين أصحاب السلطة والنفوذ.

الصمت في وجه الإبادة ليس حيادًا، بل تواطؤ

يخشى الصامتون على حياتهم المهنية ودخلهم، وليس ذلك خوفا غير منطقي. لكن الناجين في غزة يخشون الجوع والمرض والحرق أحياء والاختناق تحت الأنقاض. و”الصمت في وجه الظلم خطيئة دائما عندما تسهل حكومتك الإبادة الجماعية، فهي جريمة أخلاقية. في كل فظاعة في التاريخ، يكون الصامتون دائما لاعبين رئيسيين”.

لو أن كل من يعلم أن شرا فظيعا يرتكب تكلم، فماذا سيحدث الآن؟ سيستقيل الوزراء من حكوماتهم. لن تكتفي الصحف ونشرات الأخبار بذكر فظائع إسرائيل، بل ستصورها على أنها جرائم شنيعة مدعومة بقرع طبول، وضرورة اتخاذ إجراء حاسم لوقفها. سيصبح من المستحيل تجاهل المطالبات بحظر الأسلحة وفرض عقوبات على إسرائيل. بدلا من ملاحقة وتشويه سمعة معارضي الإبادة الجماعية، سيتم اخراج المتواطئين فيها من الحياة العامة.

لا شك أن الكثير من الصامتين يشعرون بالذنب، وهذا ما يجب عليهم أن يشعروا به. فبسبب جبنهم، لعبوا دورا محوريا في تطبيع بعض من أسوأ فظائع القرن الحادي والعشرين. إن إنهاء الصمت لا يعني التذمر والتعبير عن مدى حزنك على موت المدنيين، بل يعني وصف الجريمة بمعناها الحقيقي، والمطالبة بمحاسبة من سهلوها.

الوقت ينفد – ليس فقط لأهل غزة، بل لكل من يريد إنقاذ ضميره من عار التواطؤ.

وسوم: العدد 1120