مختصر تاريخ المواصلات، في جنوب المملكة العربية السعودية في القرنين (14ــ15هـ/20ــ21م)
إذا بحثنا في المصادر الكلاسيكية القديمة، وكتب التراث العربي والإسلامي من القرن الهجري الأول إلى نهاية القرن (12هـ/18م) نجدها وثقت معلومات كثيرة عن جغرافية شبه الجزيرة العربية، وكان لبلاد اليمين والحجاز وما بينهما نصيب جيد من تلك التوثيقات. والملاحظ أن بلدان السروات وتهامة الواقعة بين مكة المكرمة والطائف من الشمال، وصعدة وصنعاء والحديدة في الجنوب من أقل الأوطان ذكراً في تلك المصادر القديمة والإسلامية، مع أنها بلاد مأهولة بالسكان منذ زمن بعيد، وذات موقع استراتيجي مهم ، فالبحر الأحمر يمدها من الغرب، وحواضر الحجاز الكبرى من الشمال، وبلاد اليمن من الجنوب ، وديار نجد من الشرق. والجميل في العديد من تلك المصادر أنها فصلت الحديث عن الطريق البحري الذي يربط بين شرق العالم وغربه وكيف كان البحر الأحمر حلقة وصل رئيسية في ذلك الطريق العالمي، لكن المؤلفات نفسها لم تذكر لنا شيئاً مفيداً عن موانئ وشواطئ البحر الأحمر الشرقية من جدة والشعيبة إلى الشقيق وجازان. أما المصادر الإسلامية وبخاصة كتب الجغرافيا والرحلات فذكرت معلومات محدودة عن محطات الطرق البرية التي تربط بين اليمن والحجاز، وتجتاز أمكنة كثيرة في السروات وتهامة، لكنها لا توفر لنا أيضاً صورة واضحة عن طبيعة تلك الدروب ومحطاتها في مناطق الطائف، وغامد وزهران، وعسير، ونجران، وجازان، والقنفذة، والليث وغيرها، ولا عن وسائل النقل والمواصلات، ولا الحياة البشرية الموجودة في هذا البلدان. أما الطرق الداخلية في تهامة والسراة، فلا نجد لها ذكراً في تلك المؤلفات القديمة، مع أن الذاهب في مناكب هذه الأوطان يشاهد آثار الكثير من الدروب والمسالك التي كانت تربط بين أجزاء النواحي والقرى والأرياف والبوادي. جاء القرن (13هـ/19م)، وتوفرت المصادر الوثائقية العربية والعثمانية والأجنبية، وبعض المذكرات وكتب التاريخ والجغرافيا والرحلات التي أشارت إلى طرق برية عديدة تربط الأجزاء السروية والتهامية، وتخرج إلى اليمن والحجاز، أو تسير إلى نجران، وبلدان نجد، أو تتصل بموانئ البحر الأحمر الشرقية الممتدة من ينبع وجدة إلى الحديدة وعدن . ومن يدرس التاريخ السياسي والعسكري للتهاميين والسرويين خلال القرن الثالث عشر الهجري، والعقود الأربعة الأولى من القرن (14هـ/20م)، ويطلع على الصراعات المحلية بين أهل البلاد والقوى الخارجية مثل العثمانيين وبعض الحكومات الغربية الأجنبية فإنه سيجد العديد من الطرق البرية الرئيسية التي تخرج من الحجاز أو اليمن وتتصل ببلاد السراة وتهامة، ويتفرع من تلك الدروب طرق أخرى تتصل بالمدن والقرى في تهامة وسراة غامد وزهران،وعسير، وجازان، ونجران. وكانت تلك المسالك تستخدم من قبل الجيوش، والحجاج، والقوافل التجارية، وعامة الناس، وخاصتهم. ويوجد عنها مصادر وثائقية غير منشورة لمن رغب دراسة هذا الموضوع. كان الإمام عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود قد ظهر في نجد، وبدأت خارطة شبه الجزيرة العربية تتغير، ولا مجال للحديث عن التاريخ العسكري والسياسي الذي عرفته جزيرة العرب خلال العقود الوسطى من القرن الهجري الماضي(1330ـــ1370هـ/1911ـــ1950م) لأن ذلك مشروحاً في مئات الدراسات، والذي أسعى إلى توثيقه خلال العصر الحديث والمعاصر لمحات من تاريخ المواصلات في البلدان السعودية الممتد من جنوبي الطائف ومكة المكرمة إلى منطقتي جازان ونجران، وأذكر ذلك في محاور عديدة ، على النحو الآتي :
1ـــ خرج العثمانيون من السروات وتهامة ، ودخلت عموم البلاد تحت حكم الإمام عبدالعزيز
بن عبدالرحمن آل سعود ، وبقيت الطرق البرية التهامية مع جدة ومكة المكرمة مسلوكة، لكن الطريق السروية من نجران إلى الطائف أصبحت أنشط الدروب لكثرة من يسلكها من جيوش ابن
سعود، والمسافرين الذين يأتون إلى مناطق ومدن وقرى السروات، أو يخرجون منها نحو بيشة
ورنية ثم الرياض، أو الطائف والمدن المقدسة في الحجاز. وكانت عموم وسائل النقل الدواب
والمشي على الأقدام ، مع أن السيارات ظهرت في الحجاز ونجد، وبدأت تصل في
الخمسينيات إلى رنية وبيشة، وبعض المدن التهامية والسروية القريبة من الطائف ومكة
المكرمة ، وكانت صعوبة الطرق ووعورتها أكبر العقبات التي واجهت استخدام السيارات. وقد
قرأت وسمعت من بعض الرواة قصصاً عديدة تذكر صعوبة المسالك الداخلية في أرجاء
السروات وتهامة، وبخاصة الطرق(العقبات) التي تصل بين أعالي السروات والأجزاء
التهامية، أو المتجه من قمم السروات نحو البلدان الشرقية، وأهل البلاد غالباً من يقوم على
فتحها وتعميرها بوسائل بدائية وبسيطة.
2 - من إيجابيات الدولة السعودية الحديثة خدمة الأرض والإنسان في شتى المجالات، ورأت أن
شق الطرق البرية من الضروريات الأولية للسير بالتنمية الحديثة إلى الأمام، لذا بدأت خلال
النصف الثاني من القرن الهجري الماضي على ربط المدن الرئيسية في المملكة بالبلدان
النائية. وكانت مناطق ومدن وحواضر السروات وتهامة في مقدمة الأوطان التي وصلت إليها
الطرق البرية المعبدة. وأول تلك الدروب الطريق التهامي الذي يخرج من جدة ومكة المكرمة
إلى مدن السهول والسواحل الجنوبية السعودية (الليث، والقنفذة، ومحايل عسير، والدرب،
وبيش، وصبيا، وجازان، حتى الطوال على الحدود اليمنية). والطريق السروي من مكة
المكرمة أو الرياض إلى الطائف ثم السير نحو بيشة، أو الامتداد على أعالي السروات حتى
الباحة، وبلجرشي، والنماص، وأبها، ويواصل إلى بلاد قحطان ونجران. وكان هناك طريق
قديم يخرج من الرياض إلى بلاد قحطان ونجران، ثم أنشئت مؤخراً طرق أفضل وأحدث من
الرياض إلى بيشة، وسروات عسير، ونجران.
3ـــ أنشأت الدولة مؤسسات حكومية متخصصة في رسم الطرق البرية وفتحها، ووزارتي
المواصلات، والبلديات بذلت جهوداً كبيرة خلال الستين عاماً الأخيرة (1384ـــــ
1444هـ/1964ــــ 2023م) بخصوص الطرق الرئيسية التي تربط أجزاء تهامة والسراة مع
بعضها، أو الاتصال بالمناطق والمدن والمحافظات الأخرى في المملكة العربية السعودية.
وشاركت إدارات البلديات في رسم الطرق داخل القرى والمدن والأرياف، ولوزارة الزراعة
إسهامات جيدة في التشارك مع المؤسسات الأخرى في فتح طرق زراعية في طول البلاد
وعرضها. وشاهدت خلال العقود الستة الأخيرة رحلة تطوير الطرق البرية في جنوب المملكة
العربية السعودية، وقد كانت تسير إلى الأمام ببطء خلال ثمانينيات القرن الماضي، وفي
التسعينيات زادت وتيرة الاهتمام والتوسع، ولم يأت العقد الثاني من هذا القرن
(15هـ/20م) إلا جميع أجزاء المناطق الجنوبية مرتبطة بالكثير من الطرق التهامية والسروية.
وفي العشرين سنة الأخيرة (1425ــــ1446 هـ / 2004ــــ2025م) قفزت النهضة الحديثة
قفزات جيدة، ونالت الطرق البرية نسبة كبيرة من خطط الدولة المادية والمعنوية، وأصبحنا
نرى في الوقت الحاضر شبكة طرق متطورة في الأعداد، والجودة، والخدمات الفنية،
والصحية، والنفسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياحية، والإدارية، وغيرها.
4ـــ من يسافر في أرجاء تهامة والسروات حالياً، يرى مئات الطرق الطويلة والمتوسطة العملاقة،
بعضها طرق مزدوجة، وأخرى فردية، وجميعها مسفلتة، ومزودة بكل ما يحتاجه المسافر من
محطات وقود، وأماكن استراحة، ولوحات إرشادية، وكمرات مراقبة وغيرها، والأهم في ذلك
الأمن السائد في كل مكان، وترى رجال الأمن بجميع أصنافهم وإدارتهم على مقربة ممن
يستعين بهم، أو يطلب نجدتهم. ولفت نظري أمور عديدة أثناء ارتحالي في الأوطان، ومنها
بعض الأنفاق والجسور التي توجد في الطرق الطويلة، مثل: طريق نجران، خميس مشيط،
أبها، النماص، الباحة ثم الطائف. أو الطرق (العقبات) التي تربط بين السروات وتهامة،
مثل: عقبات الطائف، ومناطق الباحة، وعسير، وجازان، فقد أنفقت الدولة على هذه
الدروب آلاف المليارات. ومن يتوقف مع بعض هذه العقبات المهمة والكبيرة، كعقبة
المخواة، وعقبة شعار، وعقبة ضلع وغيرها فسيرى مشاريع ضخمة، ناهيك عن الضغط
البشري الذي يسير من خلالها. وشاهدت بعض الطرق في المحافظات الغربية أو الشرقية من
جبال السروات، وما يوجد فيها من الجسور والأنفاق الكبيرة والطويلة، وهذه الخدمات لم
تحدث إلا بعمل وهمة عالية من الدولة وصناع القرار في العاصمة الرياض، وفي حواضر
السروات وتهامة الرئيسية.
5ـــ حضرت بعض الندوات واللقاءات الرسمية والأهلية خلال العشر سنوات الأخيرة (1435ــــ
1445هـ/ 2014ـــــ 2024م)، وقرأت في بعض وسائل الأعلام والتواصل الرقمي ، وسمعت من بعض أمراء مناطق جنوب المملكة، وعدد من المسؤولين في إدارات المواصلات والبلديات
بأن هناك مشاريع عمرانية قادمة لها صلة مباشرة بالمواصلات، ومنها طرق برية جديدة، أو
تحسينات وتطويرات أفضل للعقبات والطرق الموجودة حالياً. وزرت بعض الإدارات المعنية
في أبها وجازان ونجران، وطلبت منهم تزويدي بمعلومات وخرائط ومخططات تخدمني في إصدار دراسات علمية موثقة ، لكنهم للأسف لم يتجاوبوا معي، فمنهم من اعتذر بشكل صريح، وآخرون قالوا: نحتاج وقتا للبحث عنها وتجميعها، ومازلت أنتظر إلى تاريخ تدوين هذه
السطور.
6ـــ وجود البحر الأحمر على الجانب الغربي لبلاد السروات وتهامة، من المؤهلات الأساسية
لاستخدام البحر وركوبه. وهذا البحر طريق مائي رئيسي يربط بين شرق العالم وغربه، وبين
الشعوب التي على ضفتيه الشرقية والغربية. ويوجد عشرات الدراسات العربية والأجنبية
التي أرخت لهذا الممر المائي، وأهميته السياسية والحضارية. وفي العصر الحديث نجد العديد
من البحوث والوثائق التي ذكرت وصول بعض أساطيل الدول الأجنبية إلى شواطئه
الشرقية، واتصالاتهم السلبية والإيجابية مع التهاميين والسرويين من صنعاء والحديدة وعدن
إلى الطائف والقنفذة وجدة وينبع وغيرها. والبعض من أهل البلاد ركبوا البحر وذهبوا إلى
بلدان أخرى عديدة في قارات إفريقيا، وآسيا، وأوربا. وكان للدولة العثمانية وغيرها من
الدول الأوربية اتصالات سياسية وحربية وحضارية مع البحر الأحمر خلال القرنين
(13ـــ14هـ،/19ـــ20م)، وعن طريقه نُقلت الكثير من الجنود والمعدات العسكرية العثمانية
ذهاباً وإياباً بين بلدان السروات وتهامة، وجدة، ومصر، أو الأستانة. أو من كان يفد من
تلك البلاد إلى موانئ البحر الأحمر الشرقية. وأشارت مصادر أخرى إلى النشاط التجاري
في البحر الأحمر، وجلب السلع الخارجية إلى بلدان السروات وتهامة، ومن هذه البلاد
تُصَدّر أنواعاً من المواشي والحبوب. وبعض اليمنيين يخرجون من بلادهم (سراة وتهامة)
ويركبون البحر الى الحجاز، أو بلدان أخرى خارج شبه الجزيرة العربية. والكثير من تجار
وحجاج جنوب وشرق آسيا يصلون إلى عدن، ثم يواصلون رحلتهم في البحر إلى الحجاز،
ومنهم من ينزل إلى البر ويسافرون على الساحل والسهول حتى يصلوا إلى مكة المكرمة.
وازدهرت بعض موانئ البحر الأحمر الشرقية مثل: القنفذة، والشقيق، وجازان وغيرها خلال
النصف الأول من القرن(14هـ/19ـــ20م)، عندما كانت ترتادها الأساطيل العسكرية
الإسلامية والأجنبية، ورحلات الحج والتجارة التي تصل إليها من إفريقيا وجنوب وشرق
آسيا. ولا أجد معلومات واضحة عن دور التهاميين والسرويين في تلك الموانئ. ومن يزور
مدينة القنفذة في وقتنا الحاضر، ويدرس تركيبتها السكانية يجد فيها الكثير من الأسر
التجارية الحضرمية وغيرها التي جاءت إليها واستقرت فيها خلال القرون الثلاثة الماضية
المتأخرة (ق12ــــ ق14هـ/ق18ــــ ق20م)، وهذا مما يؤكد أن أهل السواحل الشرقية في
البحر الأحمر كانوا فاعلين في ركوب البحر لأغراض عديدة.وعندما أصبحت السروات
وتهامة جزء من كيان المملكة العربية السعودية، تراجعت القنفذة سياسيًّا وعسكريًّا عما
كانت عليه في عهد النفوذ العثماني. وبقي ميناء الشقيق نشطاً في عصر الأدارسة، لكن بعد
ضم منطقة جازان وعموم الساحل من جدة إلى جازان بقيت الموانئ تمارس بعض النشاطات
المحدودة، وكان بعض الحجاج اليمنيين والأفارقة والهنود وغيرهم يركبون البحر حتى القنفذة
والليث، ثم صارت جدة هي الميناء الأكبر والرئيسي للحجاز. ونجد الملك سعود بن
عبدالعزيز آل سعود يركب البحر عندما زار ساحل البحر الأحمر، ونزل في بعض الموانئ من
القنفذة إلى جازان. ومع التطور الحضاري الذي عاصرته المملكة من نهاية القرن الماضي إلى
الآن (1446هـ/2025م)، تطورت المدن الساحلية من جدة إلى جازان، وتم تطوير ميناء
جازان حتى أصبح من الموانئ الرئيسية في المملكة العربية السعودية التي تُصدر إليه الكثير
من البضائع الداخلية والخارجية، وصار في مدن منطقة جازان الساحلية العديد من المصافي
والمصانع البترولية والكيميائية وغيرها من الأنشطة الاقتصادية والسياحية والبحرية. وقد زرت معظم مدن الساحل من جدة إلى جازان والطوال خلال العشرين سنة الأخيرة، ورأيت في معظمها شركات ومؤسسات وأفراد يمارسون مهن الصيد أو السياحة وغيرها . ويوجد في البحر
عشرات الجزر، وأكبرها جزر فرسان في منطقة جازان، وهناك طرق بحرية تربط بين اليابس
وتلك الجزر، وجميعها غير مسكونة ماعدا محافظة فرسان التي يوجد فيها آلاف السكان،
وفيها الكثير من الخدمات الحديثة ومازالوا يطالبون بخدمات أخرى عديدة.
7ـــ لم تُعرف بلاد السروات وتهامة أي خطوط جوية، أو وسائل طيران قبل عصر الملك
عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل، وأثناء ضم منطقة عسير، ثم الحجاز، وما تلاها من بلاد
تهامة والسراة. بدأت عجلة التنمية الحديثة من حواضر الحجاز وبخاصة مكة المكرمة، وتذكر
بعض الوثائق أن هناك طيران حربي أجنبي كان يصل إلى بعض أجزاء شبه الجزيرة العربية في
النصف الأول من القرن(14هـ/19ــــ20م)، لكن لم يكن هناك طيران مدني، وبعد توحيد
البلاد وإعلان اسم (المملكة العربية السعودية)، توفر طيران محدود ومتواضع ينقل الملك
وحاشيته وبعض رجال الدولة من الرياض إلى الحجاز، وأول طائرة ملكية وصلت إلى
الطائف كانت في بداية الخمسينيات من القرن الماضي.وأنشئ أول مطار بمدينة الطائف في
وسط المدينة بحي معشي، ثم تأسس مطار الطائف الحالي في منطقة الحوية في منتصف
التسعينيات من القرن الماضي، وجرى له العديد من مراحل التطوير حتى أصبح من مطارات
المملكة الدولية عام (1436هـ/2014م)، ومازال تحت العناية والتطوير حتى الآن
(1446هـ/2025م).وكانت بيشة المحطة الثانية للطيران السعودي الحديث، فقد وصلت
بعض الطيارات الصغيرة إلى بلدة بيشة في بداية السبعينيات من القرن (14هـ/20م)،
وصار مطار بيشة من المطارات المحلية ومازال يقوم بالعديد من الخدمات الجيدة داخل
المملكة العربية السعودية، لكنه يحتاج إلى مزيد من التوسعات والتطوير. أما أبها وخميس
مشيط فلها تاريخ طويل ومتشعب أثناء مرحلة التوحيد والتأسيس للمملكة العربية
السعودية. وأول طيران يصل إلى هذه البلاد كان أيضاً في سبعينيات القرن الماضي، واتخذ
موقعاً شرق مدينة الخميس ليكون المطار الأول في المنطقة، وصار المطار العسكري في
حاضرة خميس مشيط يُستخدم للأعمال العسكرية، والنقل الجوي المدني. وحصلت على
تقرير من مدير عام إدارة الطرق في منطقة عسير عام (1415ــــ1416هـ/
1995ــــ1996م)، ذكر فيه توثيقات جيدة عن النقل الجوي(الخطوط السعودية) في
حاضرة أبها من عام (1377هـ/1957م) إلى منتصف العقد الثاني من هذا القرن
(15هـ/20م). وفي نهاية القرن الهجري الماضي بدأ العمل في مطار أبها المدني، وافتتح في
عام (1398هـ/1978م)، وبقي المطار الأكبر والأنشط في جنوب البلاد السعودية خلال
العقدين الأوليين من هذا القرن (15هـ/20م)، وبدأت بعض الرحلات الدولية من هذا
المطار في منتصف العشرينيات من القرن الحالي، ثم تحول إلى مطار دولي عام (1435هـ/
2014م)، ويوجد حالياً مطار دولي أفضل وأكبر وأوسع يجري تخطيطه وعمرانه. وأُنشئت
في الستين سنة الأخيرة مطارات عديدة في مناطق جنوب المملكة، مثل:(1) مطار شرورة
المحلي ثم الإقليمي عام (1393هـ/1973م). (2) مطار نجران المحلي ثم الإقليمي عام
(1393هـ/1973م). (3) مطار جازان الإقليمي عام (1401هـ/1981م)، وعرف فيما
بعد باسم (مطار الملك عبدالله الإقليمي). (4) مطار الباحة عام(1402هـ/1982م).
ومرت جميع المطارات السبعة المذكورة أعلاه بالعديد من المراحل التطويرية الجيدة، ومازالت بحاجة إلى ترقي وتطوير أكثر، نرجو أن يتحقق ذلك في السنوات القريبة القادمة. ومما عرفته وعاصرته وشاهدته على هذه المطارات والنقل الجوي المدني بشكل عام في جنوب البلاد
السعودية. أنها بدأت بسيطة ومحدودة من منتصف القرن الماضي، ثم تطورت في الكم
والكيف حتى أصبحنا نرى أساطيل جوية تجوب بلدان عديدة داخل المملكة العربية السعودية وخارجها . وإن تحدثنا عن الخطط والنفقات المالية، والأجهزة والمعدات المادية، والمقرات الجغرافية، والكوادر البشرية فتلك محاور كبيرة لها تاريخ طويل يستحق أن يوثق في آلاف الصفحات .
8ـــ نجد مناطق جنوب المملكة العربية السعودية من ثلاثينيات هذا القرن إلى الآن(1431ـــ
1446هـ/2010ــــ2025م) تحظى بالكثير من المشاريع الخدماتية العملاقة ، ومنها طرق
المواصلات المتفاوتة في الأهمية، والنفقات، والجودة. ومن يطلع على أهداف رؤية المملكة
(2030م) ، يجد أن شبكات الطرق البرية، والجوية، والبحرية من المشاريع المهمة
والرئيسية في هذه الرؤية . والحكومة السعودية بجميع وزاراتها، وأجهزتها الإدارية والتقنية
والفنية والحضارية تدرك أهمية مناطق الجنوب السعودي (الباحة، وعسير، وجازان، ونجران)
وبخاصة في مجالات التطوير والتنمية والسياحة لما تتميز به من مؤهلات جغرافية، وتاريخية، وتراثية، وبشرية، وحضارية. ونجد في استراتيجية تطوير عسير التي تم اعتمادها من وقت قريب
أهدافاً وتطلعات مهمة وكبيرة تصب في خدمة بلدان جنوب المملكة، وكذلك اختيار منطقة
عسير، وتحديداً حاضرة أبها لتكون واحدة من مدن المملكة العربية السعودية التي سيقام
فيها بعض مباريات كأس العالم الذي تستضيفه المملكة عام ( 2034 م)، وهذا يؤكد على
أن المناطق الجنوبية السعودية سوف تشهد تطورات تنموية كبيرة خلال العشر سنوات
القادمة (2024ـــ 2034م)، وشبكة الطرق البرية والجوية من أهم القطاعات التي سوف
تتطور بشكل كبير. ونأمل أن الطرق الحديدية تصل إلى هذا الجزء الغالي قبل عام
(2034م).
9ـــ إن عنوان: تاريخ المواصلات في جنوب المملكة العربية السعودية خلال العصر الحديث
والمعاصر، من الموضوعات المهمة والجديرة، ويستحق أن يوثق في عدد من الكتب والبحوث
العلمية الجادة والرصينة، وأذكر في الفقرات التالية شيئاً من التوصيات التي لها صلة بهذا
الموضوع، وهي على النحو الآتي:
أ ــ إن مناطق جنوب المملكة العربية السعودية ( نجران، وجازان، وعسير، والباحة)
(سراة وتهامة ) لها تاريخ كبير ومتشعب قديم، وإسلامي مبكر ووسيط وحديث .
والدروب البرية، وموانئ البحر الأحمر الشرقية مجالات مهمة لمن يتخصص في دراسة
وتوثيق تاريخها عبر أطوال التاريخ، وبخاصة في عصور ما قبل الإسلام، والعصر
الإسلامي (ق1ـــ ق12هـ/ق7ــــ ق18م). ومن يعمل على هذا المقترح سيواجه
الكثير من الصعوبات، وأعظمها ندرة المادة العلمية، لكن من ينجز أي شيء في هذا
الباب فسوف يطلعنا معاشر الدراسين والباحثين على علوم ومعارف جديدة.
ب ـــ يوجد آلاف الوثائق العربية والأجنبية غير المنشورة التي تشتمل على معلومات
تاريخية وحضارية عن مناطق تهامة والسراة خلال القرن (13هـ/19م)، والنصف
الأول من القرن (14هـ/20م). ولا تخلو هذه المصادر من معلومات قيمة ومتناثرة
عن طرق المواصلات البحرية والبرية المتصلة بهذه البلدان العربية. وحسب علمي لا
يوجد دراسات علمية مستقلة في هذا الجانب، وآمل أن نرى بعض المؤرخات
والمؤرخين المحليين يتخصصون في هذا الميدان.
ج ـــ دخلت مناطق السروات وتهامة تحت نفوذ الدولة السعودية الحديثة ( المملكة
العربية السعودية)، وتغيرت وتطورت حياة الأرض والناس خلال المئة سنة الأخيرة
(1345ــــ1445هـ /1926ـــ3024م). وبالتالي فنحن أمام ازدهار كبير وواسع في
جميع مناحي الحياة. وطرق المواصلات البرية، والجوية، والبحرية من المجالات
الحضارية التي يكتب فيها عشرات الكتب، ومئات البحوث والرسائل الجامعية. وكل
طريق بري رئيسي، أو مطار، أو ميناء، أو حتى طرق فرعية تربط بين مناطق وحواضر
تهامة والسراة فجميعها جديرة بالاهتمام البحثي والتوثيقي الجادين. كذلك جميع
وسائل النقل الحديثة، والخدمات المتنوعة ذات الصلة المباشرة أو غير مباشرة
بالمواصلات تستحق الدراسة العلمية الأكاديمية الرصينة.
د ـــ يوجد والحمد لله في بلاد السراة وتهامة العديد من الجامعات التي يوجد فيها مئات
الأساتذة المتخصصين، والكليات، والأقسام، والبرامج ، ومراكز البحوث العلمية،
وهذه المؤسسات العلمية عليها واجبات كثيرة وضرورية تجاه المجتمعات الجنوبية
السعودية، ومن تلك المسؤوليات خدمة البحث العلمي الذي يعود بالخير والفائدة
على الأرض والسكان. وهناك مجالات كثيرة جداً تستحق الخدمة البحثية، ومنها
طرق المواصلات التي يمتد خيرها وبركاتها إلى تطوير البلاد والعباد في شتى مناحي
الحياة. وأكتب هذه التوصية، وهي في الحقيقة نداء إلى جامعاتنا المحلية التي يجب
عليها دعم وتشجيع وتطوير البحث العلمي المحلي. والله أسأل أن يوفق الجميع
لخدمة الدين والبلاد، وأن يجعلنا من عباده الصالحين الذين يقولون القول فيتبعون
أحسنه، وصلى الله وسلم على رسول الله.
الجمعة ( ٢١ / ٩ / ١٤٤٦هـ الموافق ٢١ / ٣ / ٢٠٢٥م ).
وسوم: العدد 1121