﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾
بمناسبة شهر رمضان الكريم نقف كل يوم أمام آية من القرآن الكريم بالتفسير والشرح والتأويل
﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾
التوبة14
هذا مشهد لايمكن لانسان أن يتحمل استمراره 595 يوما
أمام عيونه وعلى مدار الساعة . قوات مجرمة تستخدم أسلحة أمريكية فتاكة لقتل النساء والأطفال والشيوخ عن بعد ، تذبح مئات وعشرات الآلاف متواجدين فى العراء والخيام بدون ملاجىء أو خنادق أو تحصينات . جيش مجرم لا يقوى على أى مواجهة برية أو التحام ، حيث فقد 60 % من آلياته ودباباته أمام بواسل المقاومة عند الالتحام .
هذا مشهد لامثيل له فى التاريخ .. حتى التتار فقد كانوا يستبيحون المدن عند دخولها عدة أيام ويتوقفون . استباحوا بغداد 40 يوما واستباحوا دمشق خمسة أيام فقط . ولكن هؤلاء المجرمين استباحوا قطاع غزة بأكمله وهو 365 كيلو متر مربع وبه 2 مليون وربع المليون انسان ولمدة 17 شهرا .
حقا توجد سوابق تاريخية أكثر إجرامية ، فقد قام الانجلوسكسون أجداد حكام أمريكا الحاليين بإبادة 112 مليون من سكان امريكا الأصليين – الهنود الحمر – ولكن ذلك استغرق 300 عاما من الحروب . كذلك فهؤلاء أنفسهم هم الذين أبادوا ربع مليون يابانى فى هيروشيما ونجازاكى بقنبلتين نوويتين ولكن هذه المرة بسرعة شديدة : 6 أغسطس 1945 و 9 أغسطس 1945 . ولكنه لم يكن موتا سريعا للجميع يريحونهم من عناء الدنيا ، بل مات نصفهم فقط على الفور ومات النصف الآخر على مدار عدة سنوات من العذاب الناجم عن آثار الاشعاع . وكلهم كانوا من المدنيين . ومن قبل قتل الأمريكان 800 ألف مسلم عام1898 فى الفلبين ولكن ذلك استغرق عدة سنوات .
أمريكا احتلت الفلبين ( وكانت قد سميت الفلبين نسبة لاسم ملك أسبانيا فيليب ) وقد سلمت أسبانيا الفلبين لأمريكا . وهكذا فإن أول توسع واحتلال لأمريكا خارج الأمريكيتين كان فى أرض اسلامية . وقد ارتكبت أمريكا فظائع فى حرب استمرت ثلاثة سنوات أدت إلى مقتل 600 ألف مسلم ثم حرب جرثومية ( نشر الكوليرا والطاعون والجدرى ) أودت بحياة 200 ألف مسلم . وكان هذا أول لقاء أمريكى مع الاسلام والمسلمين .
ولكن ربما تظل غزة على قمة مذابح الغرب العالمية لصغر مساحتها ، وهى تعد أعلى بقاع الأرض فى الكثافة السكانية : 6000 نسمة فى كيلو متر المربع . كما أن معظم سكانها يسكنون 3 أو أربعة مدن : غزة – خان يونس – رفح – دير البلح ومعظم أراضى القطاع خالية أو قليلة الكثافة السكانية . مدينة غزة وحدها يوجد بها قرابة مليون مواطن . ويضاف إلى كل ذلك انعدام التوازن بين القوى النارية . وغياب الجبال والغابات حيث التضاريس المناسبة لحرب العصابات . ولولا الأنفاق العبقرية لتم محو المقاومة المسلحة بمنتهى السهولة فى تضاريس سهلية تماما .
الحصار الغذائى والدوائى والصحى والخدماتى فى مجال الماء والكهرباء لا مثيل له فى التاريخ . وهو حصار مستمر منذ 20 عاما .
دعوت فى بداية حرب الإبادة فى أوائل أكتوبر 2023 إلى القتال دفاعا عن غزة ومساندة لها . وهذا أمر لاخلاف عليه بين علماء الاسلام ولا خلاف عليه بين الوطنيين والقوميين واليساريين . ولا خلاف عليه وفقا لقواعد ونصوص معاهدات جنيف : القانون الدولى .
وقتال الصهاينة دفاعا عن غزة والضفة والجولان أمر مشروع وفقا لكافة قرارات الأمم المتحدة التى تؤكد أن هذه أراض محتلة يتوجب على الصهاينة الانسحاب منها وحيث تم احتلالها فى حرب 1967 . وصدرت قرارات عديدة من مجلس الأمن ثم فى الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية تؤكد جميعا أن غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية والجولان أراض محتلة . أما رئيس وزراء العدو فهو مجرم حرب مطلوب للمحكمة الجنائية الدولبة هو ووزير حربه .
قلت مرارا وأكرر : إنه من خلال دراسة علمية استمرت عشرات السنين توصلت إلى أن السنن الواردة فى القرآن تتطابق ولا أقول لا تتعارض مع السنن التى تحكم الواقع فى مختلف الموضوعات . ونحن هنا إزاء الموقف الشرعى أو سميه الموقف الصحيح . انه إذا تعرضت البلاد لأى عدوان فلابد أن تدافع عن نفسها لرد العدوان , ولا تقول لا أملك إمكانيات . مثلا الجزائر قاتلت بالسلاح الاحتلال الفرنسى لمدة 15 سنة تحت قيادة عبد القادر الجزائرى . وفى فترة لاحقة جاء عبد الحميد بن باديس الذى قاوم الاحتلال بمجموعات لتعليم اللغة العربية وتحفيظ القرآن الكريم وكانت فرنسا أصدرت قانونا يحظر تعليم اللغة العربية والقرآن . وفى وقت لاحق جاءت حركة التحرير الوطنية . الموقف الشرعى هنا هو عدم الاعتراف بالاحتلال ومحاربته عسكريا إن أمكن ثم مقاومة فى كل الأحوال سلميا وبالحفاظ على ثقافة الأمة ثم العودة للمقاومة المسلحة لطرد الاحتلال .
بعد طوفان الأقصى دعوت إلى حرب تحرير فلسطين ، ليس بالضرورة لتحرير كل فلسطين فى حرب واحدة أو فى عام أو عامين ، ولكن ربما تحرير جزء منها وإضعاف الكيان المحتل . وهذا ما حدث فى حروب مقاومة الصليبيين فلم تكن معركة حطين معركة فاصلة ونهائية ، فقد ظل الصليبيون يحتلون ساحل فلسطين والشام لسنوات طويلة ، واستردوا القدس فى وقت لاحق بدون قتال بعد وفاة صلاح الدين . ولا أريد الإبحار طويلا فى التاريخ ، ولكن أقول فى معركتنا الراهنة التى بلغت ذروتها فى طوفان الأقصى ، فإن تحرير جزء من فلسطين وهو جزء استراتيجى ومكتظ بالسكان كان قد تم عام 2005 وكانت معركة ما بعد طوفان الأقصى يمكن أن تستهدف ولا زالت تثبيت والحفاظ على غزة محررة ، واتفاق وقف إطلاق النار كان يتضمن ذلك بعودة اسرائيل إلى الانسحاب من كل غزة ، ولكن الصهاينة كانوا يدركون أنها هزيمة إذا تحققت ولذلك يتملصون من الاتفاق .
أعود إلى ما أسميه الموقف الشرعى أو الموقف الصحيح . وكنت قد دعوت له فى البداية وسحبته تقديرا لموقف حزب الله لأنه كان أكبر مساند لغزة ولابد من احترام تقديراته وعدم إرباك الجمهور ، خاصة باعتبارى خارج غرفة العمليات وبعيد عن كل أطراف محور المقاومة . ولكننى أعود اليوم لطرح تصورى ليس من باب البكاء على اللبن المسكوب أو تحميل قيادات محور المقاومة عواقب الأخطاء فى التقديرات ففى كل الأحوال كنا وسنكون مع المقاومة التى تحارب اسرائيل وأمريكا . ولكن لإننى بعيد مضطر للكتابة العلنية ، ولأننى أعتبره هو الموقف الشرعى الصحيح ، ليس للحساب على الماضى ولكن من أجل الحاضر والمستقبل .
الموقف الشرعى :
إذا نزل العدو أرضنا أصبح قتاله فرض عين على كل مسلم ومسلمة ، وإذا لم يستطع أهل الديار المحتلة رد العدوان أصبح الجهاد فرض عين على البلاد المجاورة وهكذا حتى نصل إلى أبعد نقطة فى بلاد المسلمين . هذا الوضع كان قائما منذ عام 1948 كما ورد فى كل فتاوى الأزهر . والتخلى عن هذه الفتوى لا يسقطها . وقد كان العدوان فى أكتوبر 2023 لاحتلال غزة المحررة يستوجب إعادة إحياء هذه الفتوى .
وهذه الفتوى لا تتعلق بمحور المقاومة وحده فهى تبدأ بالدول المحيطة بفلسطين المحتلة ولم يلتزم بها سوى لبنان ممثلا فى حزب الله ومن معه من مقاومة لبنانية ظهر منها على أرض الواقع : حركة أمل الشيعية والجماعة الاسلامية فرع الاخوان المسلمين فى لبنان وقد رحبنا كثيرا بإعلانها الجهاد ضد الكيان وقامت ببعض العمليات واستشهد لها بعض العناصر والقيادات ولكننا لم نعد نسمع بعد فترة عن أمل والجماعة الاسلامية ولا بأس فهذه مسألة قدرات عسكرية وتدريبية . مقاومة لبنان هى الوحيدة التى التزمت بالموقف الاسلامى الصحيح وشاركتها حماس والجهاد الفلسطينى بلبنان فى بعض العمليات . أما سوريا فأخذت بنص العمى أى استمرت فى تمرير السلاح لحزب الله ولكنها رفضت فتح جبهة الجولان وهى أراض سورية محتلة .ودفع النظام الثمن بكل وجوده وسمعته . أما الأردن ومصر فلم يشاركا إطلاقا فى القتال بل ساهم الأردن فى إعاقة الصواريخ الايرانية المتجهة لاسرائيل .
وكنت قد اقترحت أن تقوم كل جيوش بلدان الطوق : لبنان وسوريا ومصر والأردن بإطلاق طلقات مدفعية تحذيرية للكيان الصهيونى . لدفعه لوقف إطلاق النار . ليس هذا على سبيل الغفلة عن مواقف هذه الأنظمة . ولكن تحديد الموقف الشرعى لا يكون على مقاس الحكام ولكن على مقاس قواعد الشريعة كما وردت فى القرآن والسنة المؤكدة ، ولتحديد الموقف الصحيح للأمة التى يجب أن تطالب الحكام بتنفيذه .
اليمن والمقاومة العراقية رغم عدم وجودهما على حدود فلسطين قاما بدور كبير فى إسناد غزة ووصل اليمن إلى الذروة ولا يزال وحده مساندا ببطولة لغزة . وإيران كانت أكثر وأقرب للموقف الاسلامى الصحيح من كل الدول التى تنتقدها ، فقد ضربت الكيان مرتين وتلقت ضربات وقدمت شهداءا كبارا ، ولها دور كبير فى دعم واسناد كافة أطراف المقاومة وهو أمر مستمر حتى الآن .
ولكننى أعود لأطالب الجميع بمشاركة اليمن فى موقفه فهو الموقف الاسلامى النقى الوحيد الآن . أطالب حكومات بلدان الطوق والعراق حكومة ومقاومة وإيران ولها حق فى الوعد الصادق 3 حيث ضربت من الكيان ولم ترد منذ شهور . وأدعو حزب الله للعودة لمقاومة الاحتلال الاسرائيلى للأراضى اللبنانية بالتعاون مع الجيش اللبنانى مع إعطائه مهلة للتحرك . ولابد للجزائر التى نقدر مواقفها أن تبحث لها عن دور عسكرى . إن مشاركة أكبر عدد من الدول والمقاومات فى إطلاق صواريخ ومسيرات على الكيان وفى وقت واحد هو الذى يمكن أن يردع هؤلاء القتلة .
لاحظوا اننا لا نتحدث عن مجرد تحرير للأرض . نحن أمام واجب وقف إبادة جماعية ل 2 مليون وربع المليون فلسطينى فى غزة والعجلة بدأت تدور لإبادة 3 ملايين فى الضفة الغربية ، مع احتلال 10 كيلومتر مربع من لبنان . و600 كيلومتر مربع جديدة فى سوريا . ومحور صلاح الدين مع مصر .
إنها معركة مصيرية .. الحياة والتحرير أو الموت . ومصر هى القائد التى وضعها الله فى هذا المكان المحورى من المنطقة والعالم لتقوم بدورها الرائد أو تكون فى قبضة قوة خارجية تستخدمها لصالحها . وهذا لن يكون بإذن الله وبعزيمة المصريين ويقظتهم .
كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون .
وسوم: العدد 1121