وجاء دور الإسلام 6

نظرة على العالم كلّه قبل الإسلام

د. فوّاز القاسم / سوريا

وهكذا ، فقد بعث محمد بن عبد الله   r والعالم أشبه ببناء أصيب بزلزال شديد، فهزه هزاً عنيفاً ، فإذا كل شيء فيه في غير محله ، فمنه ما تكسّر أساسه ومتاعه  ، ومنه ما التوى وانعطف ، ومنه ما فارق محله اللائق به وشغل مكاناً آخر ، ومنه ما تكدس وتكوم .

ولقد نظر رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى العالم بعين الأنبياء ، فرأى إنساناً قد هانت عليه إنسانيته ، فراح يسجد للحجر والشجر والنهر ، وكل مالا يملك لنفسه النفع والضر .

رأى إنساناً معكوساً قد فسدت عقليته ، فلم تعد تستسيغ البديهيات ، وتعقل الجليات ، وفسد نظام فكره ، فإذا النظري عنده بديهي وبالعكس ، يستريب في موضع الجزم ، ويؤمن في موضع الشك .

وفسد ذوقه فصار يستحلي المر ويستطيب الخبيث ، ويستمرئ الوخيم ، وبطل حسه فأصبح لا يبغض العدو الظالم ، ولا يحب الصديق الناصح .

رأى مجتمعاً هو الصورة المصغرة للعالم ، كل شيء فيه في غير شكله أو في غير محله ، قد أصبح فيه الذئب راعياً والخصم الجائر قاضياً ، وأصبح المجرم فيه سعيداً حظيا ، والصالح محروماً شقياً ، والمعروف منكراً ، والمنكر معروفاً ...

ورأى عادات فاسدة تستعجل فناء البشرية ، وتسوقها إلى هوة الهلاك .

رأى معاقرة الخمر إلى حد الإدمان ، والخلاعة والفجور إلى حد الاستهتار ، وتعاطي الربا إلى حد الاغتصاب واستلاب الأموال ...

ورأى الطمع وشهوة المال إلى حد الجشع والنهامة ، ورأى القسوة والظلم إلى حد الوأد وقتل الأولاد .

رأى ملوكاً اتخذوا بلاد الله دُولاً ، وعباد الله خَولاً ، ورأى أحباراً ورهباناً أصبحوا أرباباً من دون الله ، يأكلون أموال الناس بالباطل ، ويصدون عن سبيل الله .

رأى المواهب البشرية ضائعة أو زائغة لم ينتفع بها ولم توجه التوجيه الصحيح ، فعادت وبالا على أصحابها وعلى الإنسانية ، فقد تحولت الشجاعة فتكاً وهمجية ، والجود تبذيراً وإسرافاً ، والأنفة حمية جاهلية ، والذكاء شطارة وخديعة ، والعقل وسيلة لابتكار الجنايات ، والإبداع في إرضاء الشهوات .

رأى أفراد البشر والهيئات البشرية كخامات لم تحظ بصانع حاذق ، ينتفع بها في هيكل الحضارة ، وكألواح الخشب لم تسعد بنجار يركب منها سفينة تشق بحر الحياة .

رأى الأمم قطعاناً من الغنم ليس لها راع ، والسياسة كجمل هائج حبله على غاربه ، والسلطان كسيف في يد سكران يجرح به نفسه ، ويجرح به أولاده وإخوانه .

ولم يكن   r من عامة المصلحين الذين يأتون البيوت من ظهورها ، أو يتسللون إليها من نوافذها ، ويكافحون بعض الأدواء الاجتماعية والعيوب الخلقية فحسب ، فمنهم من يوفق لإزالة بعضها مؤقتاً في بعض نواحي البلاد ، ومنهم من يموت ولم ينجح في مهمته ..

أتى النبي   r بيت الدعوة والإصلاح من بابه ، ووضع على قفل الطبيعة البشرية مفتاحه ، ذلك القفل المعقد الذي أعيا فتحه جميع المصلحين من قبله  ، وكل من حاول فتحه من بعده بغير مفتاحه .

ودعا الناس إلى الإيمان بالله وحده ، ورفض جميع الأوثان ، والكفر بكل الطواغيت ، وقام في القوم ينادي : (( يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا !)) ودعاهم إلى الإيمان برسالته ، والإيمان بالآخرة .