المتغير السوري وتجاوز الفيدرالية إلى الانفصال!

لا تزال ارتدادات المتغير السوري تظهر بوضوح في العراق، لاسيما في الخطاب السياسي وانعكاساته في وسائل التواصل الاجتماعي؛ فالفاعلون السياسيون الشيعة لا ينظرون إلى ما جرى في سوريا سوى بوصفه تهديدا سياسيا حقيقيا لهم بالدرجة الأولى، وتهديدا لما يسمى بالحاكمية الشيعية التي توهموا أنها قد تحققت، وأنهم قد تمكنوا من هزيمة الأطراف الأخرى المنافسة من السنة والكرد بشكل نهائي. وبدلا من فهم ما يحدث على أنه نتائج لأزمة الحكم في العراق، وتحديدا تلك المتعلقة باحتكار الفاعلين السياسيين الشيعة للسلطة، والرفض المنهجي لأي شراكة حقيقية في إدارة الدولة، وبدلا من مراجعة حقيقية لسلوكهم الإقصائي الذي استمر عبر الاستخدام المسيس للقانون وللقضاء بشقيه (المحكمة الاتحادية العليا ومجلس القضاء الأعلى أداتان جوهريتان في ترسيخ هذه الحاكمية) وجدناهم يخوضون حربا معلنة ضد النظام الجديد في سوريا، ومن أبرز هذه الارتدادات، عودة هذه الطبقة إلى حالة اللايقين التي وسمت خطابها بعد الاحتلال حين تكرر الحديث عن الفيدرالية أو حتى الانفصال، لاسيما بعد الضغط الأمريكي المسلط على العراق، في سياق المواجهة الأمريكية الإيرانية، وزيادة التصريحات التي ترد من واشنطن، والتي تتجاوز الجانب السياسي والاقتصادي لتمس بشكل مباشر شخصيات بعينها.

أصدرت مجموعة من المعارضين السياسيين الشيعة عام 2002، ما سمي حينها بإعلان شيعة العراق، والذي شكل مانفيستو مقولة «الأكثرية الشيعية المحكومة من النزعة الطائفية المهيمنة للسلطة السنية المعادية للشيعة منذ العام 1921» في مقابل «الأقلية السنية» التي «تحكم وتمسك بعوامل القوة المدنية والعسكرية والاجتماعية». لكن هذا الإعلان لم يطالب مطلقا بالفيدرالية، أو يتطرق إلى موضوع الانفصال. كما أن مؤتمر لندن نفسه الذي عقد في ديسمبر 2002، والذي مهد للاحتلال، أكد على أن النظام الفيدرالي يمثل صيغة مناسبة لحكم العراق ينبغي الاستناد إليه لحل المشكلة الكردية حصرا، ولم يتحدث مطلقا عن تطبيق النظام الفيدرالي ليشمل العراق بالكامل.

ولكن الموقف تغير تماما عام 2003، حيث خرجت دعوات صريحة إلى ما سمي بفيدرالية الوسط والجنوب، ولم يقتصر الأمر على المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق يومها، بل شمل قوى أخرى أيضا، بينها حزب الدعوة نفسه. هكذا تضمن الدستور العراقي، الذي هيمن الشيعة والكرد على صياغته، مادة تقرر أن العراق دولة فيدرالية/ اتحادية (المادة 1) وتحدث عن آلية تشكيل هذه الأقاليم (المادة 119) ومنحها وضعا فريدا لا يشبه أي تجربة فيدرالية في العالم أجمع، تحديدا فيما يتعلق بالعلاقة مع السلطات الاتحادية!

ولكن موقف الفاعلين السياسيين الشيعة تغير تماما بعد ذلك، بعد أن ضمنوا احتكار السلطة في بغداد بشكل كامل. لذلك أجهضت محاولة لتشكيل إقليم البصرة سنة عام 2008 التي كانت تتقاطع مع فكرة الإقليم الشيعي في الوسط والجنوب، وعمد رئيس مجلس الوزراء الأسبق نوري المالكي إلى الإطاحة بثلاث مطالبات قانونية لتشكل أقاليم في كل من محافظات ديالى وصلاح الدين ونينوى في العام 2011 تقدمت بها المجالس المنتخبة في تلك المحافظات، دون أن تكون له صلاحيات لذلك، حيث عدها الفاعل السياسي الشيعي محاولة من تلك المحافظات ذات الغالبية السنية لتقويض سلطته الآخذة في التوسع.

جاء زلزال سوريا الجيوسياسي وقلب الأمور بطريقة دراماتيكية، وأصبحنا نسمع دعوات صريحة للانفصال وليس مجرد دعوات إلى إقليم الوسط والجنوب

ولم يقف الأمر عند حدود منع تشكيل الأقاليم المقررة دستورية وقانونيا، بل تجاوز ذلك إلى محاولات منهجية لتقويض إقليم كردستان نفسه، عبر قرارات مسيسة اتخذتها المحكمة الاتحادية العليا، أو عبر سياسيات السلطات الاتحادية نفسها.

وخلال السنوات اللاحقة، أصبحت الدعوة إلى الفيدرالية بمثابة «خيانة عظمى» تواجَه، بشكل هستيري، من الفاعلين السياسيين الشيعة، وكان التصريح الأكثر غرابة في هذا السياق ماقاله رئيس مجلس القضاء الأعلى في 18 شباط/ فبراير 2024 لدى استقباله محافظ الأنبار الذي قال فيه «إن ظروف صياغة الدستور في حينها تغيرت الآن ومعظم من كانت لديه القناعة بهذه الأحكام مقتنع الآن بضرورة تغييرها قدر تعلق الأمر ببقية المحافظات عدا إقليم كردستان بحكم وضعه الخاص» وإلى أن «فكرة إنشاء أقاليم أخرى في أي منطقة في العراق مرفوضة لأنها تهدد وحدة العراق وأمنه». ولم يواجه هذا التصريح أي اعتراض رغم أنه يضرب بالدستور وباالقانون عرض الحائط، ورغم أن رئيس مجلس القضاء لا يملك أصلا صلاحية الخوض فيه، لكنه كان يعبر، في الواقع، عن وجهة نظر الفاعل السياسي الشيعي المتنفذ، في هذه المسألة!

وجاء زلزال سوريا الجيوسياسي وقلب الأمور بطريقة دراماتيكية، وأصبحنا نسمع دعوات صريحة للانفصال وليس مجرد دعوات إلى إقليم الوسط والجنوب، وبدأ الأمر مع تصريح لافت لنوري المالكي، المعارض الأبرز للنموذج الفيدرالي، إذ قال في مقابلة تلفزيونية: «الشيعة سينفردون بالنفط إذا أجبروا على التقسيم» من دون أن يشرح لنا من سيجبر الشيعة على التقسيم، ولماذا الحديث عن التقسيم وليس الفيدرالية!

ثم جاء تعليق أحد ممثلي الميليشيات العراقية الأكثر ارتباطا بإيران في لقاء تلفزيوني، حيث وضع العراقيين أمام خيارين: القبول بالحاكمية الشيعية على العراق، أو «الاستقلال في 9 محافظات ذات غالبية شيعية، وليس الاكتفاء بطرح الأقاليم»!

لا يمكن التعاطي مع هذه التصريحات على أنها مجرد تصعيد طائفي ارتبط بقرب موعد الانتخابات، كما لا يمكن التعاطي معها على أنها مجرد ردات فعل على المتغير السوري، بل هي تأتي في سياق ايصال رسائل إلى الولايات المتحدة الأمريكية تحديدا بأن الحاكمية الشيعية في العراق أصبحت أمرا واقعا، وهي محكومة بطبيعة العلاقة مع إيران، وبعلاقات قوة على الأرض، أبرز مظاهرها الدولة الموازية التي تشكلها الميليشيات المنضوية تحت مسمى الحشد الشعبي، أو تلك الخارجة عنه ولكنها تحظى بغطاء سياسي ومالي من «الحاكمية الشيعية». وأن الفاعلين السياسيين الشيعة لن يسمحوا بالتنازل عن تلك الحاكمية تحت أي ظرف، وأن أي محاولة لتغيير الوضع القائم، أو علاقات القوة القائمة، بينها الموقف الأمريكي المعلن من الميليشيات، ومن العلاقة بإيران، سيواجه بمحاولة انفصالية حقيقة تخلخل الوضع الجيوسياسي في المنطقة ككل، وليس مجرد الدعوة لأقاليم دستورية!

لم يكن الشاعر معروف الرصافي متجنيا حينما قال إن هتاف القوم بالوطن شيء، ومصالحهم الطائفية والشخصية شيء آخر، وإن الوطن نفسه يمكن أن يتحول إلى مجرد أداة للمقايضة لا أكثر!

وسوم: العدد 1121