رعب أحمر: أسلاف ترامب وأحفاده

إذا كان طالبٌ من أصل هندي، مقيم في أمريكا بتأشيرة نظامية، خاضعاً للترحيل لأنه متزوّج من مواطنة أمريكية فلسطينية الأصل، كما يحدث بالفعل وليس بالافتراض في ولاية لويزيانا وبأوامر من وزارة الأمن الداخلي ومباركة من وزير الخارجية شخصياً؛ فلا عجب أن ترضخ جامعة كولومبيا لاشتراطات حكومية شتى تقيّد حريات التعبير والتجمّع والاحتجاج داخل الحرم الجامعي، إذا كان عدم الامتثال يفضي إلى استمرار اقتطاع 400 مليون دولار من التمويل الفدرالي للجامعة، كما يقول تحقيق في صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية.

هذه ليست سوى البداية، يرى بعض الذين استطلع التحقيق أراءهم، وما دامت كولومبيا قد رضخت، فإن جامعات أخرى عريقة سوف تحذو حذوها؛ ولن تتوقف السيرورة حتى تُكرّس محطة فاصلة استثنائية، جديدة وخطيرة وغير مسبوقة، في علاقة السلطات الفدرالية بالجامعات الأمريكية. هي أمريكا دونالد ترامب الثاني، قد يقول قائل أوّل يستند إلى مظاهر السطح في إجراءات شتى قمعية مخالفة للقانون، بل غير دستورية أساساً؛ لعلّ أشدّها تحقيراً لـ»الحلم الأمريكي» الشهير قرار ترامب بإلغاء منح الجنسية على أساس الولادة والأرض. ليست هذه فقط، قد يقول آخرون في عدادهم هذه السطور، بل هي حصيلة تعاقبت وتتواصل في أكثر من أمريكا واحدة؛ سبقت ترامب على مستوى الأسلاف والآباء، وستلحق به على مستوى الأبناء والأحفاد.

هي، في صياغة أخرى بلاغية بعض الشيء، أمريكا الأمّ، الوالدة والمرضعة والمربية، للسعار الجَمْعي المقترن بشعار ترامب «اجعلْ أمريكا عظيمة مجدداً»؛ حيث الأصل يستوجب سير أمريكا الراهنة على هذا التحديث للروحية العتيقة ذاتها: «اجعل أمريكا حمراء الفزع مجدداً». وبدل «الموت ولا الحمر» Better Dead Than Red، أيام الحرب الباردة وسنوات محاكم التفتيش المكارثية والعدو الشيوعي الأحمر (مستلهماً الشطر اليميني من فلسفة البريطاني برتراند رسل)؛ يمكن انتقاء أعداء لا عدّ لهم ولا حصر: مسلم، عربي، فلسطيني، آسيوي، «آخَر» عموماً وجَمْعاً وتبسيطاً، وتسهيلاً على مدركات الدهماء. الطالب الهندي بدرخان سوري (سبحان الذي جعل كنيته هكذا!)، مثل الطالب الفلسطيني محمود خليل الخاضع لقرار ترحيل مماثل، كلاهما ليس أقلّ من عشرات رُحّلوا أو رحلوا تلقائياً خلال السنوات المكارثية، بل لعلّ الأجدر الافتراض بأنهما أكثر… بكثير أيضاً.

توقيت ملائم تماماً للصحافي والمؤرّخ الأمريكي كلاي رايزن كي يُصدر كتابه «رعب أحمر: القوائم السوداء، المكارثية، وصناعة أمريكا الحديثة»، ضمن منشورات Scribner، في 460 صفحة حافلة بأهوال وعجائب وشنائع، وأكاذيب ومغالطات وتلفيقات، تلك البارانويا شبه الجماعية التي قادها السناتور جوزيف مكارثي وهيمنت على الولايات المتحدة ابتداء من أواسط أربعينيات القرن المنصرم. بموجبها، سُجن أكثر من 100 شخص، وطُرد من الوظيفة آلاف آخرون، قبل أن يتكشف بطلان غالبية الادعاءات، فتلقى مكارثي ملامة من مجلس الشيوخ؛ ولكن الإرث الذي زرعه لم يتوقف بعدئذ عن استنبات شروره، لأنه بدوره لم يكن منعزلاً عن مزروعات شقيقة سابقة في التاريخ الأمريكي.

ويلجأ رايزن إلى اقتباس ألبير كامو في «الطاعون»، ليساجل بأنّ استيطان الرعب الأحمر في وجدان شرائح، غير ضئيلة العدد والعدّة في المجتمع الأمريكي، متأصل مثل عصويّة طاعون: «لا تموت أو تختفي إلى الأبد؛ لأنها تكمن في سبات على امتداد سنوات، في الأثاث وفي جوارير الحرير، تأخذ وقتها في غرف النوم، والأقبية، والصناديق، ورفوف الكتب»، جاهزة للانقضاض مجدداً. حدث ذلك خلال الستينيات والسبعينيات وحتى اليوم، يتابع رايزن، وهنالك سلالة يمين متشدد أمريكي لا تُفهم اليوم إلا إذا فُهمت جذورها في الرعب الأحمر: لا هي بالتالي، تأسست مع الترامبية وحركة الـMAGA، ولا مع المكارثية وما سبقها أو أعقبها من جمعيات يمينية و/ أو محافظة متزمتة وعنصرية.

ولعلّ العاقبة الأشهر في تاريخ المكارثية كانت لائحة 320 من الكتّاب والفنانين العاملين في المسرح والسينما والغناء والأوبرا، وهؤلاء مُنعوا من العمل بقرار من «لجنة النشاطات المعادية لأمريكا»، رأس حربة المكارثية؛ التي بدأت باستجواب «عَشْرة هوليوود» ممّن رفضوا التعاون مع اللجنة، وصدرت بحقّهم أحكام بالسجن. أبرز الأسماء ضمّت آرثر ميللر وريشارد رايت وبول روبسون وجوزيف لوزي وداشيل هاميت ودالتون ترامبو ولويس أنترمير؛ وتهمة هؤلاء الأولى هي الانتماء، بشكل أو بآخر، إلى تيّارات اليسار والحزب الشيوعي استطراداً؛ والتهمة الثانية، الأفظع، هي رفض الدسيسة على زملائهم والامتناع عن تقديم معلومات تخصّ قناعاتهم العقائدية والسياسية. وفي كتاب السيرة الذاتية، الذي أصدره سنة 1987 بعنوان «على مرّ الأيام»، يروي ميللر تفاصيل محزنة عن تلك الحقبة، بينها انهيار صديقه المخرج المسرحي والسينمائي الكبير إيليا كازان.

في المقابل، كانت استوديوهات هوليود سباقة إلى ملاقاة المكارثية بسلسلة أفلام معادية للشيوعية تعلن محتواها من العنوان مباشرة: «تزوّجتُ شيوعياً»، «كنتُ شيوعياً لصالح الـFBI»، «جيم ماكلين الأكبر» وفيه قام جون وأين بأداء دور محقق مكارثي يطارد الشيوعيين في هاواي… وكما أُحيل إلى رفوف الإهمال التعديلُ الأول الذي يضمن حرية المعتقد والكلام والصحافة والاجتماع سلمياً، فإنّ ترامبية هذه الأيام تشلّ غالبية التعديلات العشرة الأولى للدستور الأمريكي: كابراً عن كابر، كما يجب القول، ومن الأسلاف إلى الأحفاد؛ فما بدلوا تبديلا!

وسوم: العدد 1121