«الحوثي» و«حماس» والموقف العربي من غزة

أطلقت جماعة «أنصار الله» (الحوثي) في الساعة الرابعة صباحا، صاروخا على وسط إسرائيل مما أدى حسب هيئة البث العبرية إلى «استيقاظ ملايين الإسرائيليين على أصوات صفارات الإنذار فجر الخميس» في تل أبيب والقدس واللد والعديد من المدن الأخرى، وإلى تعطيل مطار بن غوريون مؤقتا، فيما تحدثت هيئة الإسعاف الإسرائيلية عن إصابة 13 شخصا أثناء توجههم الى الملاجئ. تزامن ذلك مع إطلاق «كتائب القسام» رشقة صاروخية صوب تل أبيب، فدوت صفارات الإنذار في مناطق تل أبيب والمناطق الساحلية، وتعطلت الحركة في مطار بن غوريون.

يرتبط الحدثان، طبعا، باستئناف حكومة بنيامين نتنياهو حرب الإبادة والتطهير والتجويع ضد سكان قطاع غزة، والذي حصد أرواح مئات الشهداء الفلسطينيين وأوقع قرابة ألف جريح حتى الآن، لكنه لا يقتصر على ذلك.

تراجع نتنياهو عن اتفاق وقف إطلاق النار الذي رعته إدارة الرئيس دونالد ترامب، وبدلا من التزام خيار الدفاع عن الاتفاق (كما تفعل واشنطن مثلا بالضغط على حليفها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي) شهدنا تراجعا أمريكيا موازيا عن الضغط على إسرائيل للدخول في المرحلة الثانية المؤهلة لاتفاق دائم، وهو تراجع لم يقدّم التغطية السياسية لنتنياهو فحسب، بل أخذ على عاتقه أيضا شن غارات مكثفة وعنيفة على الحوثيين في اليمن.

إضافة إلى أسباب نتنياهو الأيديولوجية (الكاهانية) التي تؤمن باستئصال الفلسطينيين من غزة (والضفة الغربية) وأسبابه الداخلية (الاتجاه بإسرائيل نحو اليمين المتطرّف، وتعزيز سلطاته السياسية والعسكرية والقضائية) تعتبر حرب الإبادة المستأنفة ردّ نتنياهو وشركاه على الخطة التي أعلنتها الدول العربية في قمة القاهرة بداية الشهر الحالي لإعادة إعمار غزة وإدارتها فلسطينيا.

بإقرارها، ضمنيا، بنزع سلطة «حماس» على القطاع، تنازلت الخطة العربية، سلفا، عن ورقة تفاوض مهمة، لكنّ ذلك لم يكن كافيا، لدولة عربية مؤثّرة، انتقدت الخطة العربية «لخلوّها من التفاصيل حول نزع سلاح حماس» والتي قامت باستخدام اللوبي خاصتها في واشنطن لاعتماد خطة تهجير الفلسطينيين بدل الخطة العربية، وهو ما قوّض بعضا من تماسك الخطة العربية، وأسهم جزئيا في تصليب الخيار الإسرائيلي ـ الأمريكي الذي يساوي بين الإبادة والتهجير والتجويع.

أدت مواقف الإدارة الأمريكية الجديدة، في الموضوعين الأوكراني والفلسطيني، إلى إعادة موضعة للتوازنات والقوى في المنطقة العربية، فأدت إلى تقاربات بين المواقف السعودية – المصرية والتركية ـ القطرية، ولكنّها أعطت دفعا لقوى التطرّف في إسرائيل، ولتصعيد احتمالات التصعيد الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد اليمن وإيران، كما دفعت بعض أطراف «اتفاقيات أبراهام» العرب لمزيد من التقارب مع إسرائيل، ولإمكانيات الاستفادة، على الأرض، من تكثيف الضربات الأمريكية على الحوثيين، لفتح المجال لتوسعة نفوذ الحكومة الشرعية اليمنية، من جهة، والقوى المناصرة للإمارات، من جهة أخرى.

تدور المعارك العسكرية، والسياسية، في المنطقة العربية، ضمن هذه الدوائر الثلاث، وسيكون مصير الفلسطينيين، واليمنيين، والمنطقة العربية ككل، مرتبطا بقدرات القادة والشعوب على تسيير رياح التغيير الكبيرة في العالم.

وسوم: العدد 1121