"الصحفي" العائد مِن الجنَّة
بينما كنتُ أتجوّل في حديقة "الهايد بارك"؛ لفتَ انتباهي الاحتفال الصاخب الذي أقامه مجموعة من الطُلاَّب العرب، ولمّا دنوتُ منهم سألوني: أكيد أنتَ مصري؟
فقلتُ: نعم ... فضحكوا إلى حد القهقهة، ثمَّ قالوا: هل تَعرف "الصحفي العائد من الجنّة"؟
فاتّهمتهُم بالخبل والجنون، وغادرتهم في الحال!
مرّت الأيام، وبينما أسير فوق كونيش النيل بالقاهرة؛ استوقفتني إحدى "الهوانم"، وسألتني بلهفةٍ: أرجوك؛ أرجوك أنْ تدلَّني على عنوان "الصحفي العائد مِن الجنَّة"!
فاندهشتُ مِن سؤالها، وقلتُ لها: عمَّاذا تسألي؟
فقالت بصوتٍ فيه حشرجة: أسألك عن الصحفي العائد من الجنَّة –يا بني آدم!
فاتهمتُها بالجنون أيضاً، وتركتها على الفور ... وبعد مرور بضعة أيام على تلك الواقعة؛ أخبرتُ بها أحد الأصدقاء، فقال: كأنكَ لمْ تَسمع بَعد عن "الصحفي العائد من الجنَّة"!
فأخذتُ الكلام على مَحمَل السخريّة، وقلتُ له: كثيراً ما يتمنَّى الناسُ أن يلتقوا بواحدٍ مِمَّن رجع مِن الآخِرة؛ ليُخبرهم عن المطاعم والمشارب والفواكه، والقصور الذهبية، ويُحدِّثهم –أيضاً- عمَّن الْتقاهم من الصالحين، وعن كيفية قضاء أوقاتهم هناك!
فجذبني نحوه، وقال: صدِّقني؛ لقد تحققتْ تلك الأُمنيّة بالفعل .. فقد عاد أحد الصحفيين من الجنَّة! وقد سمع بأُذُنِه، وشاهد بأُم عينهِ كلَّ شيء، وسجَّل المَشاهد التي رآها، ولم يترك شيئاً من نعيم الجنة إلاَّ وأخبر عنه!
واستطرد قائلاً: لقد عاد "الصحفي" من الجنَّة، وأخبر عن معظم أسماء أصحاب اليمين!
وهنالكَ استثمر لقاءاته مع خَزَنة الجنَّة؛ الذين طافوا به، وأطلعوه على أنهارها، وأشجارها، وأسواقها ... وصعدوا بهِ إلى أعلى عِلِّيين، ورأى الخيامَ التي حصباؤها المِسك والكافور، والتي يُشتَمُّ ريحها مِن مسيرة خمسمائة سنة .. كما تجوَّلَ بداخل الغُرف التي مِن فوقها غُرفٌ تجري من تحتها الأنهار .. وشاهد ما لا عين رأت ولا أُذُنٌ سمِعت!
ثمَّ وضع صاحبي يده على كتفي، وقال –بصوتٍ خفيض-: بلْ مِن براعته الصحفيّة، وحِسُّه المِهني؛ أنه نجح في الوصول إلى (خازن الجنَّة) الذي أخبره عن أعظم أهل الجنَّة نعيماً!
وقد ابتهج (رضوان) به، وسعد بلقائهِ كثيراً؛ وأجابه عن كل ما يدور بخُلْدِه ... وأطلعه على خيامٍ في أعالي الجنان؛ فيها أكوابٌ موضوعة، ونمارقُ مصفوفة، وزرابيُّ مبثوثة!
ثمَّ اصطحبه إلى جنّات عدن؛ وقال له: هؤلاء يُطافُ عليهم بصحافٍ من ذهبٍ وأكواب. وفيها ما تشتهيهِ الأنفُس وتلذُّ الأعيُن .. وهم فيها خالدون!
لمْ أتمالك نفسي وأنا أستمع حكايات صاحبي ... حتى اتّهمتُه بالجنون أيضاً!
ورحتُ أبحثُ بنفسي، وأُتابع ذلك الخبر، وما تركتُ وسيلةً إلاًّ وطرقتها للوصول إلى فحوى هذه الحكاية ... وبعد ثلاث ليالٍ مِن البحث والعناء؛ علمتُ أنَّ أحد الصحفيين -الموالين للنظام الاستبدادي- ذهب إلى "مُجمّع سجون طرة" لحضور "المنتدى الثالث للسجون المصرية" -كما يقول هو بالحرف الواحد-: بدعوةٍ تلقّاها من قطاع الإعلام بوزارة الداخلية. بحضور رؤساء التحرير ومُقدمي البرامج، ورؤساء الهيئات الإعلامية، ومُحرِّرى الملف الأمني فى الصحف والفضائيات، وهناك الْتقى بمساعد وزير الداخلية لقطاع السجون وعدد من قادة السجن".
واستطرد –الصحفي- يَحكي أحداث رحلته على ثلاث حلقات؛ هيَ أغرب ما نشرته الصحافة!
ففي رحلتهِ الميمونة، شاهد الحوافز الماديّة والعوائد الربحيّة التي تنهال على المساجين من تلك المصنوعات التي يقومون بها، وتحدث –أيضاً- عن أنشطة المساجين الاقتصادية، مثل: تربية المواشى، ومشروعات الإنتاج الصناعى والسمكى والطيور، فضلاً عن المحاصيل والسلع الغذائية التي يُصدّرونها للخارج. ولمْ يَنسَ –سعادته- الحديث عن المستشفيات الفخمة والرعاية المركزة والأَسِرَّة، وملاعب كرة القدم، والأنشطة الرياضية، ومزارع النعام!
وقد أسهب في الشرح وهو يتحدّث عن وجبات الكُفتة المشويّة والكباب، والمشروبات التي هي لذة للشاربين، ومختلف أنواع الرياضة البدنية، ووسائل الترفيه ... إلخ.
كما تحدّث -حفظه الله- عن المُقرَّبين تارة، وعن أصحاب اليمين تارة أخرى!!
عندئذٍ؛ أدركتُ فحوى القصة، ووقفتُ على أصل "النكتة"!
وقد عذرتُ "الهانم" التي زعقتْ في وجهي؛ لعدم معرفتي بالصحفي العائد من جنَّات النّعيم!
أخيراً؛ تحيَّة كبيرة لهذا الصحفي الأمين، والكاتب المُخلِصٍ الشريف؛ الحريص على وطنه، والغيور على أُمته!
وليس لنا سوى عتابٍ واحدٍ على (رئيس تحرير جريدة الشروق المصرية): أنه نَسيَ أنْ يُحدِّثنا عن زملائه الصحفيين المسجونين، في أيّ الجِنان يُقيمون؟!
والسؤال المطروح الآن: كيف يترك الصحفي (عماد الدين حسين) فراديس "اللِّيمان"، ويختار السكنَ في أسوأ الأحياء الشعبية المُهدَّمة على رءوس سكّانها؟!
لماذا تخلَّى هذا الصحفي العبقري عن أهله البسطاء، وتركهم في الجحيم؟
كيف هانت عليهِ نفسه، فتجاهلهم، ولم يجد لهم مكاناً في ذاكَ النعيم المُقيم ب"سجون طُرة"؟
باللهِ عليك -يا عماد حسين- لا تترك أهلكَ الغلابة قبل أن يَلفظوا أنفاسهم -واحداً تلوَ الآخَر- وهم يُصارِعون البأساءَ والضرّاء في قُرى ونجوع أسيوط الملعونة في التوراة والإنجيل!!
وسوم: العدد 1121