الذين اصطَفَينا من عبادنا

د.عثمان قدري مكانسي
othman47@hotmail.com

مع القرطُبيّ بتصرُّف

 

﴿ثُمَّ أَوۡرَثۡنَا ٱلۡكِتَـٰبَ ٱلَّذِینَ ٱصۡطَفَیۡنَا مِنۡ عِبَادِنَاۖ فَمِنۡهُمۡ ظَالِم لِّنَفۡسِهِۦ وَمِنۡهُم مُّقۡتَصِد وَمِنۡهُمۡ سَابِقُۢ بِٱلۡخَیۡرَ ٰتِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ ذَ ٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِیرُ 32 جَنَّـٰتُ عَدۡن یَدۡخُلُونَهَا یُحَلَّوۡنَ فِیهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَب وَلُؤۡلُؤاۖ وَلِبَاسُهُمۡ فِیهَا حَرِیر 33 وَقَالُوا۟ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِیۤ أَذۡهَبَ عَنَّا ٱلۡحَزَنَۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُور شَكُورٌ 34 ٱلَّذِیۤ أَحَلَّنَا دَارَ ٱلۡمُقَامَةِ مِن فَضۡلِهِۦ لَا یَمَسُّنَا فِیهَا نَصَب وَلَا یَمَسُّنَا فِیهَا لُغُوب 35﴾ [فاطر ٣٢-٣٥]

قال القرطبي هَذِهِ الْآيَةُ مُشْكِلَةٌ، لِأَنَّهُ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: "اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا" والاصطفاء اختيار وتفضيل ثُمَّ قَالَ: "فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ" وَقَدْ تَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ. 1- قَالَ النَّحَّاسُ: فَمِنْ أَصَحِّ مَا قيلَ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ "فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ" قَالَ: الْكَافِرُ،

2- وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا "فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ" قَالَ: نَجَتْ فِرْقَتَانِ، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ فِي الْعَرَبِيَّةِ: فَمِنْهُمْ مِنْ عِبَادِنَا ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، أَيْ كَافِرٌ. وَقَالَ الْحَسَنُ: أَيْ فَاسِقٌ. وَيَكُونُ الضَّمِيرُ الَّذِي فِي "يَدْخُلُونَها" يَعُودُ عَلَى الْمُقْتَصِدِ وَالسَّابِقِ لَا عَلَى الظَّالِمِ.

3- وَعَنْ عِكْرِمَةَ وَقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ وَالْفَرَّاءِ أَنَّ الْمُقْتَصِدَ الْمُؤْمِنُ الْعَاصِي، وَالسَّابِقُ التَّقِيُّ عَلَى الْإِطْلَاقِ. قَالُوا: وَهَذِهِ الْآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْوَاقِعَةِ" وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً" [الواقعة: ٧

4- قَالُوا وَبَعِيدٌ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُصْطَفَى ظَالِمٌ. وَرَوَاهُ مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. فالضَّمِيرُ فِي "يَدْخُلُونَها" يَعُودُ عَلَى الثَّلَاثَةِ الْأَصْنَافِ، عَلَى أَلَّا يَكُونَ الظالم ها هنا كَافِرًا وَلَا فَاسِقًا. وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ هَذَا الْقَوْلُ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ، وَابْنُ مَسْعُودٍ وَعُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو وَعَائِشَةُ، وَالتَّقْدِيرُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ:

  • أَنْ يَكُونَ الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ الَّذِي عَمِلَ الصَّغَائِرَ. وَ "الْمُقْتَصِدُ" هُوَ الَّذِي يُعْطِي الدُّنْيَا حَقَّهَا وَالْآخِرَةَ حَقَّهَا، فَيَكُونُ "جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها" عَائِدًا عَلَى الْجَمِيعِ عَلَى هَذَا الشَّرْحِ وَالتَّبْيِينِ، وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: اسْتَوَتْ مَنَاكِبُهُمْ- وَرَبِّ الْكَعْبَةِ- وَتَفَاضَلُوا بِأَعْمَالِهِمْ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ: أَمَّا الَّذِي سَمِعْتُ مُنْذُ سِتِّينَ سَنَةً فَكُلُّهُمْ نَاجٍ. وَرَوَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ وَقَالَ: (كُلُّهُمْ فِي الْجَنَّةِ). وَقَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ هَذِهِ الْآيَةَ ثُمَّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (سَابِقُنَا سَابِقٌ وَمُقْتَصِدُنَا نَاجٍ وَظَالِمُنَا مَغْفُورٌ لَهُ). فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يُقَدَّرُ مَفْعُولُ الِاصْطِفَاءِ مِنْ قَوْلِهِ: "أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا" مضافا حذف كما حذف المضاف في "وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ"(٢) [يوسف: ٨٢] أَيِ اصْطَفَيْنَا دِينَهُمْ فَبَقِيَ اصْطَفَيْنَاهُمْ، فَحُذِفَ الْعَائِدُ إِلَى الْمَوْصُولِ كَمَا حُذِفَ فِي قَوْلِهِ: "وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ هود: ٣١] أَيْ تَزْدَرِيهِمْ، فَالِاصْطِفَاءُ إِذًا مُوَجَّهٌ إِلَى دِينِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:" إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ" [البقرة: ١٣٢
  • . قَالَ النَّحَّاسُ: وَقَوْلٌ ثَالِثٌ- يَكُونُ الظَّالِمُ صَاحِبَ الْكَبَائِرِ، وَالْمُقْتَصِدُ الَّذِي لَمْ يَسْتَحِقَّ الْجَنَّةَ بِزِيَادَةِ حَسَنَاتِهِ عَلَى سَيِّئَاتِهِ، فَيَكُونُ: "جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها" لِلَّذِينَ سَبَقُوا بِالْخَيْرَاتِ لَا غَيْرَ.
  • قال القرطبيُّ: الْقَوْلُ الْوَسَطُ أَوْلَاهَا وَأَصَحُّهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لِأَنَّ الْكَافِرَ وَالْمُنَافِقَ لَمْ يُصْطَفَوْا بِحَمْدِ اللَّهِ، وَلَا اصْطُفِيَ دِينُهُمْ. وَهَذَا قَوْلُ سِتَّةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَحَسْبُكَ. وَسَنَزِيدُهُ بَيَانًا وَإِيضَاحًا فِي بَاقِي الْآيَةِ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَوْرَثْنَا الْكِتابَ﴾ أَيْ أَعْطَيْنَا. و"الْكِتابَ" ها هنا يُرِيدُ بِهِ مَعَانِيَ الْكِتَابِ وَعِلْمِهِ وَأَحْكَامِهِ وَعَقَائِدِهِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَعْطَى أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ الْقُرْآنَ، وَهُوَ قَدْ تَضَمَّنَ مَعَانِيَ الْكُتُبِ الْمُنْزَّلَةِ، فَكَأَنَّهُ وَرَّثَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْكِتَابَ الَّذِي كَانَ فِي الْأُمَمِ قَبْلَنَا.
    ومعنى (اصْطَفَيْنا) أ اخْتَرْنَا. وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الصَّفْوِ، وَهُوَ الْخُلُوصُ مِنْ شَوَائِبِ الْكَدَرِ. وَأَصْلُهُ اصْتَفَوْنَا، فَأُبْدِلَتِ التَّاءُ طَاءً وَالْوَاوُ يَاءً.
    (مِنْ عِبادِنا) الْمُرَادُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ. وعِبَارَةَ تَوْرِيثِ الْكِتَابِ لَمْ تَكُنْ إِلَّا لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ،
  • قَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: السَّابِقُ الْعَالِمُ، وَالْمُقْتَصِدُ الْمُتَعَلِّمُ، وَالظَّالِمُ الْجَاهِلُ.
  • وَقَالَ ذُو النُّونِ الْمِصْرِيُّ: الظَّالِمُ الذَّاكِرُ اللَّهَ بِلِسَانِهِ فَقَطْ، وَالْمُقْتَصِدُ الذَّاكِرُ بِقَلْبِهِ، وَالسَّابِقُ الَّذِي لَا يَنْسَاهُ.
  • وَقَالَ الْأَنْطَاكِيُّ: الظَّالِمُ صَاحِبُ الْأَقْوَالِ، وَالْمُقْتَصِدُ صَاحِبُ الْأَفْعَالِ، وَالسَّابِقُ صَاحِبُ الْأَحْوَالِ.
  • وَقَالَ ابْنُ عَطَاءٍ: الظَّالِمُ الَّذِي يُحِبُّ اللَّهَ مِنْ أَجْلِ الدُّنْيَا، وَالْمُقْتَصِدُ الَّذِي يُحِبُّهُ مِنْ أَجْلِ الْعُقْبَى، وَالسَّابِقُ الَّذِي أَسْقَطَ مُرَادَهُ بِمُرَادِ الْحَقِّ.
  • وَقِيلَ: الظَّالِمُ الَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ خَوْفًا مِنَ النَّارِ، وَالْمُقْتَصِدُ الَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ طَمَعًا فِي الْجَنَّةِ، وَالسَّابِقُ الَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ لِوَجْهِهِ لَا لِسَبَبٍ.
  • وَقِيلَ: الظَّالِمُ ظَلَمَ نَفْسَهُ فَتَرَكَ لَهَا حَظًّا وَهِيَ الْمَعْرِفَةُ وَالْمَحَبَّةُ، وَالْمُقْتَصِدُ الْعَارِفُ، وَالسَّابِقُ الْمُحِبُّ.
  • وَقِيلَ: الظَّالِمُ الَّذِي يَجْزَعُ عِنْدَ الْبَلَاءِ، وَالْمُقْتَصِدُ الصَّابِرُ عَلَى الْبَلَاءِ، وَالسَّابِقُ الْمُتَلَذِّذُ بِالْبَلَاءِ.
  • وَقِيلَ: الظَّالِمُ الَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى الْغَفْلَةِ وَالْعَادَةِ، وَالْمُقْتَصِدُ الَّذِي يَعْبُدُهُ عَلَى الرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ، وَالسَّابِقُ الَّذِي يَعْبُدُهُ عَلَى الْهَيْبَةِ.
  • وَقِيلَ: الظَّالِمُ الَّذِي أُعْطِيَ فَمَنَعَ، وَالْمُقْتَصِدُ الَّذِي أُعْطِيَ فَبَذَلَ، وَالسَّابِقُ الذي يُمنع فَيشَكُرَ وَيُؤثر غيره. يُرْوَى أَنَّ عَابِدَيْنِ الْتَقَيَا فَقَالَ: كَيْفَ حَالُ إِخْوَانِكُمْ بِالْبَصْرَةِ؟ قَالَ: بِخَيْرٍ، إِنْ أُعْطُوا شَكَرُوا وَإِنْ مُنِعُوا صَبَرُوا. فَقَالَ : هَذِهِ حَالَةُ الْكِلَابِ عِنْدَنَا بِبَلْخٍ! عُبَّادُنَا إِنْ مُنِعُوا شَكَرُوا وَإِنْ أُعْطُوا آثَرُوا.
  • وَقِيلَ: الظَّالِمُ مَنِ اسْتَغْنَى بِمَالِهِ، وَالْمُقْتَصِدُ مَنِ اسْتَغْنَى بِدِينِهِ، وَالسَّابِقُ مَنِ اسْتَغْنَى بِرَبِّهِ.
  • وَقِيلَ: الظَّالِمُ التَّالِي لِلْقُرْآنِ وَلَا يَعْمَلُ بِهِ، وَالْمُقْتَصِدُ التَّالِي لِلْقُرْآنِ وَيُعْمَلُ بِهِ، وَالسَّابِقُ الْقَارِئُ لِلْقُرْآنِ الْعَامِلِ بِهِ وَالْعَالِمِ بِهِ.
  • وَقِيلَ: السَّابِقُ الَّذِي يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ قَبْلَ تَأْذِينِ الْمُؤَذِّنِ، وَالْمُقْتَصِدُ الَّذِي يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ وَقَدْ أُذِّنَ، وَالظَّالِمُ الَّذِي يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، لِأَنَّهُ ظَلَمَ نَفْسَهُ الْأَجْرَ فَلَمْ يُحَصِّلْ لَهَا مَا حَصَّلَهُ غَيْرُهُ.
  • وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا: بَلِ السَّابِقُ الَّذِي يُدْرِكُ الْوَقْتَ وَالْجَمَاعَةَ فَيُدْرِكُ الْفَضِيلَتَيْنِ، وَالْمُقْتَصِدُ الَّذِي إِنْ فاتته الجماعة لم يفرط فِي الْوَقْتِ، وَالظَّالِمُ الْغَافِلُ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى يَفُوتَ الْوَقْتُ وَالْجَمَاعَةُ، فَهُوَ أَوْلَى بِالظُّلْمِ.
  • وَقِيلَ: الظَّالِمُ الَّذِي يُحِبُّ نَفْسَهُ، وَالْمُقْتَصِدُ الَّذِي يُحِبُّ دِينَهُ، وَالسَّابِقُ الَّذِي يُحِبُّ رَبَّهُ.
  • وَقِيلَ: الظَّالِمُ الَّذِي يَنْتَصِفُ وَلَا يُنْصِفُ، وَالْمُقْتَصِدُ الَّذِي يَنْتَصِفُ وَيُنْصِفُ، وَالسَّابِقُ الَّذِي يُنْصِفُ وَلَا يَنْتَصِفُ.
  • وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: السَّابِقُ الَّذِي أَسْلَمَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَالْمُقْتَصِدُ مَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَالظَّالِمُ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ إِلَّا بِالسَّيْفِ، وَهُمْ كُلُّهُمْ مَغْفُورٌ لَهُمْ.
  • قال القرطُبيُّ: ذَكَرَ هَذِهِ الْأَقْوَالَ وَزِيَادَةً عَلَيْهَا الثَّعْلَبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ. وَبِالْجُمْلَةِ فَهُمْ طَرَفَانِ وَوَاسِطَةٌ، وَهُوَ الْمُقْتَصِدُ الْمُلَازِمُ لِلْقَصْدِ وَهُوَ تَرْكُ الْمَيْلِ، فالْمُقْتَصِدُ مَنْزِلَةً بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ، فَهُوَ فَوْقَ الظَّالِمِ لِنَفْسِهِ وَدُونَ السَّابِقِ بِالْخَيْرَاتِ.
    فكان ذَلِكَ الِاصْطِفَاءُ مَعَ عِلْمِ الله سبحانه بِعُيُوبِهِمْ هُوَ الْفَضْلَ الكبير. ووعد الجنة لهؤلاء الثلاثة فضل كبير. الثَّالِثَةُ-

(تَكَلَّمَ العلماءُ فِي تَقْدِيمِ الظَّالِمِ عَلَى المقتصد والسابق)

  • فقيل: التقديم فِي الذِّكْرِ لَا يَقْتَضِي تَشْرِيفًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:" لَا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ" [الحشر: ٢٠
  • . وَقِيلَ: قُدِّمَ الظَّالِمُ لِكَثْرَةِ الْفَاسِقِينَ مِنْهُمْ وَغَلَبَتِهِمْ وَأَنَّ الْمُقْتَصِدِينَ قَلِيلٌ بِالْإِضَافَةِ إِلَيْهِمْ، وَالسَّابِقِينَ أَقَلُّ مِنَ الْقَلِيلِ، ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْهُ غَيْرُهُ
  • وَقِيلَ: قُدِّمَ الظَّالِمُ لِتَأْكِيدِ الرَّجَاءِ فِي حَقِّهِ، إذ ليس له شي يَتَّكِلُ عَلَيْهِ إِلَّا رَحْمَةَ رَبِّهِ. وَاتَّكَلَ الْمُقْتَصِدُ عَلَى حُسْنِ ظَنِّهِ، وَالسَّابِقُ عَلَى طَاعَتِهِ.
  • وَقِيلَ: قدم الظالم لئلا ييئس مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَأُخِّرَ السَّابِقُ لِئَلَّا يُعْجَبَ بِعَمَلِهِ.
  • وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الصَّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قُدِّمَ الظَّالِمُ لِيُخْبِرَ أَنَّهُ لَا يُتَقَرَّبُ إِلَيْهِ إِلَّا بِصَرْفِ رَحْمَتَهُ وَكَرَمَهُ، وَأَنَّ الظُّلْمَ لَا يُؤَثِّرُ فِي الِاصْطِفَائِيَّةِ إِذَا كَانَتْ ثَمَّ عِنَايَةٌ، ثُمَّ ثَنَّى بِالْمُقْتَصِدِينَ لِأَنَّهُمْ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، ثُمَّ خَتَمَ بِالسَّابِقِينَ لِئَلَّا يَأْمَنَ أَحَدٌ مَكْرَ اللَّهِ، وَكُلُّهُمْ فِي الجنة بِحُرْمَةِ كَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ".
  • وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيِّ: جَمَعَهُمْ فِي الِاصْطِفَاءِ إِزَالَةً لِلْعِلَلِ عَنِ الْعَطَاءِ،فالله تعالى يعطي من يشاءُ ما يشاءُ، والِاصْطِفَاءَ يُوجِبُ الْإِرْثَ، لَا الْإِرْثُ يُوجِبُ الِاصْطِفَاءَ، قِيلَ فِي الْحِكْمَةِ: صَحِّحِ النِّسْبَةَ ثُمَّ ادَّعِ فِي الْمِيرَاثِ.
  • وَقِيلَ: أَخَّرَ السَّابِقَ لِيَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى الْجَنَّاتِ وَالثَّوَابِ، كَمَا قَدَّمَ الصَّوَامِعَ وَالْبِيَعَ فِي "سُورَةِ الْحَجِّ عَلَى الْمَسَاجِدِ، لِتَكُونَ الصَّوَامِعُ أَقْرَبَ إِلَى الْهَدْمِ وَالْخَرَابِ، وَتَكُونَ الْمَسَاجِدُ أَقْرَبَ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ.
  • وَقِيلَ: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا أَرَادُوا الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ بِالذِّكْرِ قَدَّمُوا الْأَدْنَى، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ" الأعراف: ١٦٧]، وَقَوْلِهِ: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ) الشورى: ٤٩]، وَقَوْلِهِ: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ﴾ الحشر: ٢٠.
    (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها)
  • جمعهم فِي الدُّخُولِ لِأَنَّهُ مِيرَاثٌ، وَالْعَاقُّ وَالْبَارُّ فِي الْمِيرَاثِ سَوَاءٌ إِذَا كَانُوا مُعْتَرِفِينَ بِالنَّسَبِ، فَالْعَاصِي والمطيع مقرون بالرب. وجمع الجنّةَ فقال : جنّات لكثرتهم بفضل الله
  • وقرى: "جَنَّةُ عَدْنٍ" عَلَى الْإِفْرَادِ، كَأَنَّهَا جَنَّةٌ مُخْتَصَّةٌ بِالسَّابِقِينَ لِقِلَّتِهِمْ،
  • يَدْخُلُونَهَا. وَهَذَا لِلْجَمِيعِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
  • وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو (يُدْخَلُونَهَا) بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْخَاءِ. قَالَ: لِقَوْلِهِ (يُحَلَّوْنَ). وَقَدْ مَضَى فِي (الْحَجِّ) الْكَلَامُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ

) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ)

لعلَّ الذين يقولون الحمد لله الذي اذهب عنا الحِزَن هم الظالمون لأنفسهم ،

  • دَخَلَ رَجُلٌ الْمَسْجِدَ فَقَالَ اللَّهُمَّ ارْحَمْ غُرْبَتِي وَآنِسْ وَحْدَتِي يَسِّرْ لِي جَلِيسًا صَالِحًا. فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: لَئِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَلَأَنَا أَسْعَدُ بِذَلِكَ مِنْكَ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ"- قَالَ- فَيَجِيءُ هَذَا السَّابِقُ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَأَمَّا الْمُقْتَصِدُ فَيُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَأَمَّا الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ فَيُحْبَسُ فِي الْمَقَامِ وَيُوَبَّخُ وَيُقَرَّعُ ثُمَّ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ فَهُمُ الَّذِينَ قَالُوا: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ"

وَفِي لَفْظٍ آخَرَ" وَأَمَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأُولَئِكَ يُحْبَسُونَ فِي طُولِ الْمَحْشَرِ ثُمَّ هُمُ الَّذِينَ يَتَلَقَّاهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ فَهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ- إِلَى قَوْلِهِ- وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ".

  • وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْهُ فِي دُنياهُ، يَعْنِي يُكَفَّرُ عَنْهُ بِمَا يُصِيبُهُ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ في دار الابتلاء وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] يَعْنِي فِي الدُّنْيَا.
  • قَالَ الثَّعْلَبِيُّ: وَهَذَا التَّأْوِيلُ أَشْبَهُ بِالظَّاهِرِ، لِأَنَّهُ قَالَ: "جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا"، وَلِقَوْلِهِ: "الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا" وَالْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ لَمْ يُصْطَفَوْا. قال القرطبيُّ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَقَدْ قَالَ ﷺ: (وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ، ريحها وطيب وَطَعْمُهَا مُرٌّ). فَأَخْبَرَ أَنَّ الْمُنَافِقَ يَقْرَؤُهُ، وَأَخْبَرَ الْحَقُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّ الْمُنَافِقَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ، وَكَثِيرٌ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى يَقْرَءُونَهُ فِي زَمَانِنَا هَذَا. وَقَالَ مَالِكٌ: قَدْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ. ولا اصطفاء إلا للمسلمين حصراً.

وسوم: العدد 1076