تَعْليقاتٌ عَلى مُتونِ الْكُتُبِ الْعَرَبيَّةِ = 58
تَعْليقاتٌ عَلى مُتونِ الْكُتُبِ الْعَرَبيَّةِ = 58
مَنْهَجٌ فِي التَّأْليفِ بَيْنَ كُتُبِ الْعِلْمِ وَبَيْنَ طُلّابِها ، بِوَصْلِ حَياتِهِمْ بِحَياتِها
[ تَعْليقَةٌ عَلى مَتْنِ " دَلائِلُ الْإِعْجازِ " لِعَبْدِ الْقاهِرِ الْجُرْجانيِّ ]
د. محمد جمال صقر
قالَ |
قُلْتُ |
أَمَّا النَّحْوُ فَظَنَّتْهُ ( الجماعة المعرضة ) ضَرْبًا مِنَ التَّكَلُّفِ ، وَبابًا مِنَ التَّعَسُّفِ ، وَشَيْئًا لا يَسْتَنِدُ إِلى أَصْلٍ وَلا يُعْتَمَدُ فيهِ عَلى عَقْلٍ ، وَأَنَّ ما زادَ مِنْهُ عَلى مَعْرِفَةِ الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ وَما يَتَّصِلُ بِذلِكَ مِمّا تَجِدُه فِي الْمَبادِيء - هكذا وصواب رسمها الْمَبادِئِ - فَهُوَ فَضْلٌ لا يُجْدي نَفْعًا ، وَلا تَحْصُلُ مِنْهُ عَلى فائِدَةٍ ! وَضَربوا لَهُ الْمَثَلَ بِالْمِلْحِ كَما عَرَفْتُ ، إِلى أَشْباهٍ لِهذِهِ الظُّنونِ فِي الْقَبيلَيْنِ ( جماعتي المعرضين عن النحو والمعرضين عن الشعر ) ، وَآراءٍ لَوْ عَلِموا مَغَبَّتَها وَما تَقودُ إِلَيْهِ لَتَعَوَّذوا بِاللّهِ مِنْها ، وَلَأَنِفوا لِأَنْفُسِهِمْ مِنَ الرِّضا بِها ؛ ذاكَ لِأَنَّهُمْ بِإيثارِهِمُ الْجَهْلَ بِذلِكَ عَلَى الْعِلْمِ ، في مَعْنَى الصّادِّ عَنْ سَبيلِ اللّهِ ، وَالْمُبْتَغي إِطْفاءَ نورِ اللّهِ ، تَعالى ! |
بل قد اصطنع لي بعضُ أهلي حديثا شريفا لا أدري مِنْ أين لَقِفَه ، أن " تعلموا من العربية قدر ما تتفاهمون به ثم انتهوا " ، أو كما زعم ! ثم مر زمان فإذا الذي زعم ذلك المزعم ، يَحُطُّ على العرب حتى ليكاد - لولا عروبة رسول الله ، صلى الله عليه ، وسلم ! ، والقرآن الكريم الذي أنزل عليه - أن يتبرأ منهم ! فلما تَناوَلْتُه من كل جهة بما لا طاقة له به من مكانة العرب وعلاقة العروبة بالإسلام ، واستطردت إلى علاقة اللغة بالتفكير - سكت على مضض ، وأعرض إعراض من يتورع عن المراء ! |
خَبِّرْنا ( المعتزلي القائل في إعجاز القرآن بعجز العرب عنه ) عَمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمونَ مِنِ اخْتِصاصِ نَبيِّنا - صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ ، وَسَلَّمَ ! - بِأَنْ كانَتْ مُعْجِزَتُه باقِيَةً عَلى وَجْهِ الدَّهْرِ ؛ أَتَعْرِفُ لَه مَعْنًى غَيْرَ أَلّا يَزالَ الْبُرْهانُ مِنْهُ لائِحًا مُعْرِضًا لِكُلِّ مَنْ أَرادَ الْعِلْمَ بِه وَطَلَبَ الْوُصولَ إِلَيْهِ ، وَالْحُجَّةُ فيهِ وَبِه ظاهِرَةً لِمَنْ أَرادَها ، وَالْعِلْمُ بِها مُمْكِنًا لِمَنِ الْتَمَسَه ؟ فَإِذا كُنْتَ لا تَشُكُّ في أَلّا مَعْنى لِبَقاءِ الْمُعْجِزَةِ بِالْقُرْآنِ إِلّا أَنَّ الْوَصْفَ الَّذي له كانَ مُعْجِزًا قائِمٌ فيهِ أَبَدًا ، وَأَنَّ الطَّريقَ إِلَى الْعِلْمِ بِه مَوْجودٌ وَالْوُصولَ إِلَيْهِ مُمْكِنٌ - فَانْظُرْ أَيَّ رَجُلٍ تَكونُ إِذا أَنْتَ زَهِدْتَ في أَنْ تَعْرِفَ حُجَّةَ اللّهِ - تَعالى ! - وَآثَرْتَ فيهِ الْجَهْلَ عَلَى الْعِلْمِ ، وَعَدَمَ الِاسْتِبانَةِ عَلى وُجودِها ، وَكانَ التَّقْليدُ فيها أَحَبَّ إِلَيْكَ ، وَالتَّعْويلُ عَلى عِلْمِ غَيْرِكَ آثَرَ لَدَيْكَ ، وَنَحِّ الْهَوى عَنْكَ ، وَراجِعْ عَقْلَكَ ، وَاصْدُقْ نَفْسَكَ ، يَبِنْ لَكَ فُحْشُ الْغَلَطِ فيما رَأَيْتَ ، وَقُبْحُ الْخَطَأِ فِي الَّذي تَوَهَّمْتَ ! |
في هذا تخطيء رأي من ادعى التعويل في إدراك إعجاز القرآن ، على أن سلفنا العلماء الفصحاء البلغاء ، قد أدركوه ، واعترفوا به ، وسلموا ؛ فإن على كل طالب لعلم القرآن في كل زمان ومكان ، أن يجتهد في التوصل إلى أسرار إعجازه ، وألا يكتفي برواية ذلك فيه مهما كان جلال علم السلف ؛ فإن ثمة نصيبا من إدارك إعجاز القرآن ، قد ادخره الحق - سبحانه ، وتعالى ! - لأهل كل زمان ومكان . وهل أعجب من جلوسنا بمجلس أستاذنا محمود محمد شاكر ، فإذا الدكتور محمود محمد الطناحي - رحمهما الله ! - يطلعنا على جزء من كتاب كبير في إعجاز القرآن لأحد علماء الإسكندرية الأخفياء - بعضُ اسمه سعدة أو أبو سعدة - أحالته عليه دار الهلال ينظر في نشره ، فإذا الكتاب مكين في العلم ، مدهش بما انكشف له في الإعجاز مما لم ينكشف لغيره ، من مناسبة معاني الأسماء الأعجمية الأصول في لغاتها ، لسياقاتها العربية القرآنية ، التي اشتملت عليها ، فذابت فيها عربية مبينة ! |
كانَ الْحَسَنُ الْبَصْريُّ - رَحِمَهُ اللّهُ ! - يَتَمَثَّلُ في مَواعِظِه ، بِالْأَبْياتِ مِنَ الشِّعْرِ ، وَكانَ مِنْ أَوْجَعِها عِنْدَه : اَلْيَوْمَ عِنْدَكَ دَلُّها وَحَديثُها وَغَدًا لِغَيْرِكَ كَفُّها وَالْمِعْصَم ! |
ينبغي أن يكون البيت ووجعه ، في الدنيا وغرورها ! |
قالَ مُحَمَّدٌ ( ابن مسلمة الأنصاري ) : كُنّا يَوْمًا عِنْدَ النَّبيِّ - صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ ، وَسَلَّمَ ! - فَقالَ لِحَسّانَ بْنِ ثابِتٍ : أَنْشِدْني قَصيدَةً مِنْ شِعْرِ الْجاهِليَّةِ ؛ فَإِنَّ اللّهَ - تَعالى ! - قَدْ وَضَعَ عَنّا آثامَها في شِعْرِها وَرِوايَتِه ، فَأَنْشَدَه قَصيدَةً لِلْأَعْشى هَجا بِها عَلْقَمَةَ بْنَ عُلاثَةَ : عَلْقَمُ ما أَنْتَ إِلى عامِر أَلنّاقِضِ الْأَوْتارِ وَالْواتِر فَقالَ النَّبيُّ - صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ ، وَسَلَّمَ ! - : يا حَسّانُ ، لا تَعُدْ تُنْشِدُني هذِهِ الْقَصيدَةَ بَعْدَ مَجْلِسِكَ هذا ! قالَ : يا رَسولَ اللّهِ ، تَنْهاني عَنْ رَجُلٍ مُشْرِكٍ مُقيمٍ عِنْدَ قَيْصَرَ ! فَقالَ النَّبيُّ - صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ ، وَسَلَّمَ ! - : يا حَسّانُ ، أَشْكَرُ النّاسِ لِلنّاسِ أَشْكَرُهُمْ لِلّهِ - تَعالى ! - وَإِنَّ قَيْصَرَ سَأَلَ أَبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ عَنّي ، فَتَناوَلَ مِنّي - وَفي خَبَرٍ آخَرَ : فَشَعَّثَ مِنّي - وَإِنَّه سَأَلَ هذا عَنّي ، فَأَحْسَنَ الْقَوْلَ ! |
ينبغي إذن ألا يَسْمح أحد أن يخاض في عرض ذي يد عليه وهو حاضر ، وإلا كان من جزائه الحسنة بالسيئة - فأما الصمت فلا حُكْمَ فيه عندئذ ، ولا خير ! |
أَمّا عِلْمُه - عَلَيْهِ السَّلامُ ! - بِالشِّعْرِ ، فَكَما رُوِيَ أَنَّ سَوْدَةَ أَنْشَدَتْ : عَديٌّ وَتَيْمٌ تَبْتَغي مَنْ تُحالِف فَظَنَّتْ عائِشَةُ وَحَفْصَةُ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُما - أَنَّها عَرَّضَتْ بِهِما ، وَجَرى بَيْنَهُنَّ كَلامٌ في هذَا الْمَعْنى ، فَأُخْبِرَ النَّبيُّ - صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ ، وَسَلَّمَ ! - فَدَخَلَ عَلَيْهِنَّ ، وَقالَ : " يا وَيْلَكُنَّ ! لَيْسَ في عَديِّكُنَّ وَلا تَيْمِكُنَّ قيلَ هذا ، وَإِنَّما هذا في عَديِّ تَميمٍ وَتَيْمِ تَميمٍ " ! وَتَمامُ هذَا الشِّعْرِ - وَهُوَ لِقَيْسِ بْنِ مَعْدانَ الْكُلَيْبيِّ ، مِنْ بَني يَرْبوعٍ - : فَحالِفْ وَلا وَاللّهِ تَهْبِطُ تَلْعَةً مِنَ الْأَرْضِ إِلّا أَنْتَ لِلذُّلِّ عارِف أَلا مَنْ رَأَى الْعَبْدَيْنِ أَوْ ذُكِرا لَه عَديٌّ وَتَيْمٌ تَبْتَغي مَنْ تُحالِف |
صلى الله عليه ، وسلم ! إنما أصلح بينهن ، فأما التعريض فلم ينفه ! ثم " عارِف " الذي في قول قيس ، من العِرْفِ الذي منه " أَعْرِف " المتعدي باللام في قول السُّلَيْكِ بْنِ السُّلَكَةِ في الصَّعْلَكة : " وَما نِلْتُها حَتّى تَصَعْلَكْتُ حِقْبَةً وَكِدْتُ لِأَسْبابِ الْمَنيَّةِ أَعْرِف " ! أي أنقاد لها ، تجرني فأنجر ! |
رَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ ، قالَ : مَرَّ رَسولُ اللّهِ - صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ ، وَسَلَّمَ ! - وَمَعَه أَبو بَكْرٍ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ ! - يَقولُ في بَعْضِ أَزِقَّةِ مَكَّةَ : يا أَيُّهَا الرَّجُلُ الْمُحَوِّلُ رَحْلَه هَلّا نَزَلْتَ بِآلِ عَبْدِ الدّار فَقالَ النَّبيُّ - صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ ، وَسَلَّمَ ! - : يا أَبا بَكْرٍ ، أَهكَذا قالَ الشّاعِرُ ؟ قالَ : لا - يا رَسولَ اللّهِ - وَلكِنَّه قالَ : يا أَيُّهَا الرَّجُلُ الْمُحَوِّلُ رَحْلَه هَلّا سَأَلْتَ عَنَ آلِ عَبْدِ مَناف فَقالَ رَسولُ اللّهِ - صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ ، وَسَلَّمَ ! - : هكَذا كُنّا نَسْمَعُها . |
وهكذا لم يَطَّرِدْ أنه - صلى الله عليه ، وسلم ! - أَنْشَدَ شعرا ، حتى إنه لما حاول فيما روي ، لم يستقم له ؛ فسبحان القائل - عز ، وجل ! - : " ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغي لَه " ! ثم قد خطر لي أن يكون سيدنا أبو بكر - رضي الله عنه ! - إنما مازح بتحريف البيت صاحبه - صلى الله عليه ، وسلم ! - وهو موقن من معرفته وجهه ! وكأنما صار ذلك التحريف الشريف سُنَّةً من البديع يتنافس فيها المتنافسون ؛ حتى إنه لما حرف خريج الأزهر البيت المجهول ، قائلا : أَنَا أَزْهَريٌّ ما حَييتُ وَإِنْ أَمُتْ فَوَصيَّتي لِلنّاسِ أَنْ يَتَأَزْهَروا ! قال خريج دار العلوم : أَنَا دَرْعَميٌّ ما حَييتُ وَإِنْ أَمُتْ فَوَصيَّتي لِلنّاسِ أَنْ يَتَدَرْعَموا ! وقال خريج الآداب : أَنَا آدَبيٌّ ما حَييتُ وَإِنْ أَمُتْ فَوَصيَّتي لِلنّاسِ أَنْ يَتَأَدَّبوا ! فلما بلغ ذلك خريج التربية قال : أَنَا تَرْبَويٌّ ما حَييتُ وَإِنْ أَمُتْ فَوَصيَّتي لِلنّاسِ أَنْ يَتَرَبَّبوا ! |